دأبت ماكينات الدعاية والإعلام، في الغرب بصفة عامة وفي أميركا بصفة خاصة، على إنتاج مقولات.. وعبارات ومانشيتات وشعارات يقصد بها بداهة أن تروج ضمن الخطاب الجمعي العام وتشيع على ألسنة الناس بعد أن تحملها إليهم أقلام الكتاب وألسنة المذيعين وعدسات المصورين.
ونحسب أن التاريخ القريب لبلد كبير مثل أميركا يمكن رصد معالمه البارزة ومراحله المتلاحقة من خلال متابعة ما شهدته تلك المراحل من شعارات.
في مطالع الثلاثينات مثلا من القرن الماضي ورغم المعاناة الرهيبة التي كابدها مواطنو الولايات المتحدة من جراء ظاهرة الكساد الاقتصادي التي عرفت باسم «الانهيار الكبير» تلقفت الجماهير شعار رئيسهم وقتها فرانكلين روزفلت الذي عبرت عنه عبارة «الصفقة الجديدة» بمعنى أنها كانت اتفاقا أو مقاولة مستجدة ، طرفاها الناس والحكومة التي ابتدعت بل اختلقت مشاريع قومية وعمرانية كبرى واستوعبت فيها آلاف العمال الذين كانوا واقعين في براثن البطالة وبعدها تقاضي العمال أجرا..
وأنفقوه لشراء سلع وخدمات فعادت دورة الحركة التجارية من جديد.. ثم دفع التجار ضرائب الحكومة التي استردت ما صرفته على العمال.. وهكذا دخل شعار الصفقة الجديدة (نيو ديل) في قاموس السياسة والاقتصاد آية على إمكانية أن تتدخل الدولة لصالح دفع عجلة المجتمع إلى الأمام. الرئيس روزفلت نفسه صكوا له شعارا لا يزال يتردد بدوره في أدبيات السياسة والإعلام في أميركا.
وهو الشعار الذي عمدوا إلى ترويجه كنوع من السلوى أو العزاء بعد كارثة تدمير الأسطول الأميركي على يد اليابانيين في ميناء بيرل هاربور يوم 7 ديسمبر عام 1941، أما الشعار فهو قولة روزفلت: لا شيء يخيفنا اللهم إلا الخوف نفسه.
في الخمسينات، ومع بدء الاحتكاك السياسي الذي وصل إلى تصادم الأقدار بين واشنطن الطامحة إلى الهيمنة العالمية وبين حركة عدم الانحياز والحياد الإيجابي التي انتقضت بها أقطار العالم الثالث أطلق جون فوستر دالاس، وزير خارجية أميركا شعاره الشهير منددا بالحياد بين قوى الخير كما يراها في الغرب الرأسمالي (بقيادة أميركا طبعا) وقوى الشر كما رآها في الشرق الشيوعي (بقيادة روسيا السوفييتية).
يومها قال دالاس: إن الحياد سياسة غير أخلاقية. وبالمناسبة.. فالسيد دالاس نفسه هو الذي صك شعارا آخر على لسان الرئيس إيزنهاور في أواخر الخمسينات وقال فيه: ان منطقة الشرق الأوسط تعاني من فراغ شديد وعلى دول العالم الحر (يقصد الغرب أيضا) أن تسعى لملء هذا الفراغ.
وكان في هذا الشعار ما زاد من وطأة الاحتكاك السياسي بين أميركا - إيزنهاور وبين حركة التحرر والمد القومي العروبي الذي كان صاعدا في تلك الأيام. أما في أوائل الستينات فقد شهدت مرحلتها تولي رئيس واعد وشاب هو جون كيندي مقاليد السلطة في البيت الأبيض.. ولأنه كان كذلك فقد كان طبيعيا أن تصوغ ماكينة البروباجاندا شعارات على مقاس هذه الشخصية التي لم تكن تخلو من سمات كاريزمية بمعنى آسرة وشديدة الجاذبية..
وكان الشعار المطروح هو أن على الجيل الأميركي الجديد أن يرنو بنظرة وطموحه إلى آفاق جديدة لم يرتدها أحد من قبل. وفي إطار هذا الشعار راجت أيامها دعوة كيندي التي ما برحت تتردد في مواقع أخرى وفي مناسبات مغايرة من عالمنا وهي:
- لا تسأل ما الذي قدمه لك وطنك بل اسأل نفسك ما الذي قدمته أنت لهذا الوطن.
وربما تناقش هذا الشعار مع نظير له أطلقه زعيم الحقوق المدنية للسود - مارتن لوثر كينج: حين قال يوما: عندي حلم يراودني وكان الحلم طبعا يتصل بحصول الإنسان الأسود، سليل الأفارقة المجلوبين من أوطانهم إلى العالم الجديد على متن سفن الشقاء والعبودية - على حقه كمواطن وإنسان. ومن عجب أن يظل شعار الرئيس كيندي. ومعه شعار الزعيم لوثر كينج يترددان ويجري الاستشهاد بهما حتى الآن.. ومن الأعجب أن يغتال كلا الرجلين وهما في قمة النضج وفتوة العطاء.
أما في السبعينات فقد ترددت في قواميس الدبلوماسية شعارات كيسنجر الشهيرة من قبيل سياسة الخطوة - خطوة أو الرحلات المكوكية لفض المنازعات وحل المشاكل السياسية.
وفي الثمانينات دخل البيت الأبيض رئيس جديد كان في أشد الحاجة إلى أقاويل وعبارات محفوظة. نعم كان رونالد ريجان ممثلا من الدرجة الثانية وكان متقدما في السن نسبيا يوم تولى رئاسة بلاده - لا عجب أن رسموا له صورة الأب المسنّ أو الجد الحكيم المحنك ودارت مسابك الإعلام والدعاية لتصوغ له شعارا وصف به الاتحاد السوفييتي في عبارة عمدوا إلى أن تحمل نكهة دينية أو عقيدية إلى جانب طعمها السياسي.. وهكذا أطلق على الاتحاد السوفييتي الوصف التالي: إنه إمبراطورية الشر والظلام.
ولأمر ما وجد هذا الوصف من يردده على نطاق واسع، ومن يرّوج له وخاصة في أوساط أميركية وغربية ترفع اللافتات الدينية.. ولهذا كان منطقيا أن يعاود القوم في التسعينات هذه المرة الإحالة إلى قواميس الدين والروحانيات والأخلاقيات حين صنفوا أعداء واشنطن تحت الشعار الشهير الذي يقول : إنها الدول المارقة ، ونحسب أن لفظة «مارقة» هو ترجمة عربية تجمع بين عوامل دقة الصنعة وحسن الذوق في آن معا، فاللفظة الإنجليزية (رُوج بالجيم غير المعطشة) تشير إلى معاني الانفلات وإضمار الشر وسوء الخلق وخبث الطوية، وما إلى ذلك.
ومع مطالع هذا القرن الجديد ودخول إدارة جمهورية إلى مقر رئاسة الولايات المتحدة.. وقد جسدت تحالفا غير مسبوق في حوليات السياسة الأميركية وما برح يجمع قوى المحافظين الجدد مع بارونات الاحتكارات الرأسمالية الكبرى مع قطاعات الإنجيليين فضلا عن عناصر منبثة بين صفوف هذه القوى يدفعها عداء عميق لشعوب الشرق الأوسط وعالم الإسلام والمسلمين.. لهذا فلم يكن صدفة أن يبدأ الرئيس بوش ولايته الأولى وقد طرح شعارا مستجدا في هذا المضمار وهو: «محور.. الشر».
ويقال ان الشعار استطاع أن يصكه روبرت فروم وكان من فريق كتاب الخطب الرئاسية في البيت الأبيض.
بيد أن الذي يعنينا في هذا السياق هو: استخدام مصطلح «المحور» (إكسس في الإنجليزية) وهو مصطلح يعيد إلى أذهان الأجيال المخضرمة في أميركا وأوروبا بشكل عام وصف أعدائهم خلال ويلات الحرب الكونية الثانية إذ كان «المحور» المعادي يضم كلا من ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية واليابان الإمبراطورية العسكرية..
ومن ثم فاستخدام لفظة المحور - ناهيك بنسبته طبعا إلى الشر.. يرسم في الأذهان صور زعامات مخيفة من أمثال هتلر وموسوليني وحلفائهما من جنرالات اليابان الانتحاريين. والمهم أن «محور الشر» هذا جاء أقرب إلى قائمة سوداء تتولى فيها واشنطن وحلفاؤها بالحذف والإضافة إدراج (أو استبعاد) أسماء دول ونظم سياسية تصنفها حسب مدى اقتراب أو ابتعاد تلك الدول أو النظم عن مصالح الغرب أو خططه بل وأطماعه السياسية والاقتصادية..
ولكن لأن الأيام دول، فها نحن بإزاء شعار جديد.. اشتغلت من أجله ماكينات البروباجندا.. لكن تروسها دارت بالعكس هذه المرة!.
تصدُر «الإيكونومست» البريطانية وهي مجلة محافظة في الأساس وعلى صدر غلافها (عدد 19/5).. شعارا يدل على محور جديد هو: محور الضعف
والمعنى الأصلي المستخدم من المعجم الإنجليزي يفيد فتور الهمة وخور العزيمة.. وأفول الحظوظ.
والمحور ثنائي هذه المرة ويضم القطبين اللذين تحالفا من أجل غزو العراق ومن أجل قضايا ومصالح مشتركة أخرى وهما الرئيس الأميركي بوش ورئيس الوزراء البريطاني بلير - ولم يفت المجلة الإنجليزية في لهجة ربما لا تخلو من شماتة أن تشفع محور الضعف بتعليق تقول فيه: «انتهاء حقبة بوش وبلير».
والذي أفضى إلى هذا الاستنتاج هو التدني الشديد في شعبية السيد بوش حيث نزلت أحدث استطلاعات الرأي إلى ما دون الثلاثين في المئة من عّينة الأميركيين الذين يرون أن رئيسهم لا يحسن أداء عمله، في حين أن أركان حزب العمال البريطاني الذي يقوده السيد بلير رفعوا في وجهه ولا يزالون مطالبهم باستقالته بعد أن مُنى حزبهم بنكسات متتابعة في أكثر من جولة انتخابية في أقاليم المملكة المتحدة.
كاتب مصري