يبدو أن وهم التوافق أو الانسجام الذي سيطر على العلاقات بين روسيا والولايات المتحدة منذ نهاية الحرب الباردة على وشك الزوال أمام نمو التناقضات، وزيادة الخلافات بين رؤيتي البلدين للكيفية التي يتم بها إدارة النظام العالمي.
والتطبيق غير الأمين للقانون الدولي والذي تغيب معه العدالة الدولية من وجهة النظر الروسية، والتلكؤ وعدم الحسم، والابتزاز، والسلوك غير الديمقراطي الذي تتورط فيه روسيا من وجهة النظر الأميركية.
لقد تبدى وهن هذا التوافق بفعل المناوشات التي دارت بين الطرفين منذ أطلق نائب الرئيسي الأميركي ديك تشيني«طلقتها الأولى» من مدينة«فيلنوس» عاصمة ليتوانيا أثناء انعقاد قمة منطقتي البلطيق وحوض البحر الأسود بمشاركة رؤساء تسع دول ورؤساء وزراء ووزراء من 25 بلدا، موجها نقدا هو الأعنف إلى روسيا منذ انتهاء الحرب الباردة لأنها«حدت من حرية التعبير الإعلامي وحرية الأحزاب السياسية».
فيما اعتبره«انحرافا عن النهج الديمقراطي» وانتقد على نحو خاص«استخدام البترول والغاز كوسائل للابتزاز والتهديد». وفى الأيام التالية واصل الرئيس بوش اتهاماته لروسيا لنفس الذرائع، وباللهجة نفسها، ما استدعى الرد على لسان وزير الدفاع الروسى سيرجى إيفانوف، والرد العكسي من قبل وزيرة الخارجية الأميركية رايس، حتى انتهى الأمر بدخول عاصف للرئيس الروسي فلاديمير بوتين على خط الحوار الملتهب.
وذلك في خطابه السنوي عن حالة الإتحاد أمام البرلمان الروسي حيث اتهم الولايات المتحدة«ببناء حصن عسكري من خلال موازنتها العسكرية التي تفوق مثيلتها الروسية 25 ضعفا» مضيفا بلهجة حادة وغير مسبوقة«بعضهم مازالوا يعيشون في زمن الحرب الباردة ويسعون إلى تعزيز نفوذهم في المناطق التي يرون أننا ضعفاء فيها.
وعلى روسيا ان تكون مستعدة لذلك» واصفا الولايات المتحدة بأنها«الذئب الذي يأكل ولا يستمع إلى أحد« متهما إياها بأنها تنسى كل ما تقوله عن الديمقراطية وحقوق الإنسان عندما يتعارضان مع مصالحها الخاصة.
واعتبر بوتين ان من السابق لأوانه الحديث عن نهاية سباق التسلح الذي دخل حسب قوله«مرحلة جديدة أكثر خطورة» مؤكدا«عزم روسيا على تطوير قدراتها العسكرية خصوصا النووية« ومحذرا الولايات المتحدة من شن عملية عسكرية ضد إيران لأن«وسائل القوة نادرا ما تعطى النتائج المطلوبة.
وغالبا ما تكون عواقبها أكثر فظاعة من التهديد الأصلي». وقد استقبلت النخبة السياسية الروسية، وأعضاء البرلمان خطاب بوتين بترحيب شديد، باعتبار أنه«يحمل نظرية للسياسة الخارجية الروسية حتى عام 2010م.
وواقع الحال أن تلك المناوشات لا تعود قط إلى الدوافع الأميركية المعلنة بل حفزها الموقف الروسي الرافض ـ مع الصين ـ للتعامل مع الملف النووي الإيراني على طاولة مجلس الأمن الدولي من خلال الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة والذي يبدأ بتوجيه عقوبات اقتصادية ملزمة ومتدرجة على نحو تصاعدي، وقد يصل في النهاية إلى استخدام القوة العسكرية .
وهو ما ترفضه روسيا التي نجحت ـ حتى الآن ـ في فرض تصورها للتعامل مع الملف النووي الإيراني على الولايات المتحدة التي قدمت تنازلا تكتيكيا في اجتماع وزراء خارجية الدول الست«الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن بجانب ألمانيا« بإرجاء عرض مشروع قرارها على المجلس وإعطاء الوسطاء الأوروبيين فرصة جديدة للحوار مع إيران وتقديم حوافز اقتصادية وتكنولوجية لها حتى تقبل بوقف عملية تخصيب اليورانيوم.
غير أن الخلاف حول الملف النووي الإيراني بدوره ليس إلا عرضا ظاهرا لقضية أكبر تتعلق بطبيعة الدور الروسي المقبل في العالم والتي لم تحسم بعد داخل روسيا التي كانت ـ تحت ضغط الأزمات العديدة التي واجهتها بنهاية الحرب الباردة ـ قد توقفت عن ممارسة هذا الدور أو عن التفكير في إعادة صياغته حيثما تستعيد قوتها.
وفى هذه الفترة كانت الدول الأوروبية والولايات المتحدة هم الذين يبادرون إلى صياغة هذا الدور الذي كان يثار الجدل حوله عند محاولات توسيع الناتو، أو الإتحاد الأوروبي في ظل صمت أو مشاركة ضعيفة من روسيا حتى ظنت الولايات المتحدة أن بإمكانها القضاء على هذا الدور والتصرف بحرية أكبر وخاصة بعد 11 سبتمبر وسيطرة اليمين المحافظ على السياسة الخارجية الأميركية مرورا باحتلال أفغانستان، والعدوان على العراق، ناهيك عن التوسع المتنامي للناتو والإتحاد الأوروبي.
وإنشاء منظمة دول البلطيق والبحر الأسود في الخصر الروسي والذي تم منها إطلاق الرصاصة الأولى في السجال الدائر الآن، مما كان مستفزا للقومية الروسية التي عاشت واعتادت لثلاثة أرباع القرن على أن تعامل كقوة عظمى.
وإن كانت روسيا قد تأخرت في عملية إعادة صياغة دورها العالمي لعقد ونصف العقد، فإن ثمة أمرين يدفعانها الآن إلى تلك العملية :
الأول هو تنامي قدرة روسيا على استيعاب أزمتها الاقتصادية التي بدت عاصفة إبان التسعينيات. وبالطبع لم تصل روسيا إلى مرحلة الانطلاق الاقتصادي بعد، ولم تغادر أزمتها تماما، ولكنها في الوقت نفسه خرجت من عنق الزجاجة وتجاوزت احتمالات الفوضى أو الانهيار الاقتصادي التي كانت تحتم عليها كتم صوتها والعكوف تماما على نفسها.
والثاني هو نمو الشعور الروسي بالثقة إزاء تحقيق بعض المكاسب السياسية في الجوار على حساب السياسة الأميركية أو حلفائها حيث نجاح حلفاء موسكو في الانتخابات التشريعية الأخيرة في أوكرانيا، وذلك بعد فشل عملية الإطاحة بكل من الرئيس الأوزبكي«اسلام كريموف» العام الماضي، ثم رئيس روسيا البيضاء«الكسندر لوكاتشينكو» هذا العام، ما يعنى إنكسار فى منحنى الهبوط المستمر أو الإخفاق الدائم للسياسة الروسية في مواجهة نظيرتها الأميركية.
وإذا كان الأمر المؤكد في هذا السياق هو انتهاء«دبلوماسية الابتساماتز، و«سياسة العيون» في علاقات البلدين، فغير المعلوم تماما أي سياسة جديدة سوف تبدأ وهل هي كما يرى البعض حرب باردة جديدة بالمعنى الكامل، وهذا ما نستبعده، أم محاولة روسية لإعادة نوع من التوازن.
وترسيخ نهج المتعدد الأطراف بما يحفظ لها دورا يعتد به في إدارة النظام العالمي بدلا من المنهج الانفرادي الذي مارسته الولايات المتحدة من بداية التسعينيات، ويراه الكثيرون محاولة أميركية للهيمنة على العالم وهو الاتجاه الذي ترجحه المعطيات السياسية والإستراتيجية الواقعية.
كاتب مصري
