عقد في دبي مؤخراً منتدى الإعلام العربي الذي يؤمه مئات الإعلاميين والسياسيين والمتخصصين في صناعة الكلمة، وقد تميز الحضور بشوقه إلى التنقل بين جلسات العمل التي حظيت بإقبال كبير يدل على نجاح هذه المبادرة البناءة التي ما فتئت دبي تدعمها لتجعل منها ملتقى تتلاقح فيه الأفكار وتتحاور في اجتماعاته الرؤى والتطلعات.

ولقد سرني أن أحضر جلسة بعنوان «تلفزيون الواقع» تحدث فيها ثلاثة من المديرين التنفيذيين لقنوات تلفزيونية عربية تحتل مساحة لا يستهان بها من سوق التلفاز العربي.

بدأ الحديث عن برامج تلفزيون الواقع التي نسخت عن بعض البرامج الغربية كبرنامج Big Brother وAmerican Idol وغيرها من البرامج التي تعرض بثا حيا لمجموعة من الشباب يعيشون في بيت أو أكاديمية كما يحلو للبعض تسميته، يقومون خلال فترة معينة ببعض الأنشطة والبرامج التي إن أجادوها كان لهم النصيب الأكبر من تصويت المشاهدين عبر رسائل الهاتف القصيرة.

بعد أن انتهى المدراء الأفاضل من حديثهم فتح باب النقاش فسأل أحد الحضور عن الفائدة التي تعود على المجتمع عامة وعلى الشباب خاصة من هذه البرامج، فأجابه أحد المدراء:

«نحن نعلم الشباب الطموح ونزرع فيهم روح التحدي، فعندما يرى هذا الشاب وتلك الفتاة أقرانهما وهم يبذلون جهدا كبيرا للتميز في الأكاديمية، فإن هذا سيوقد شعلة الحماس في نفوسهم وسيبث فيهم الطموح وسيقولون (نحنا بدنا نكون هيك كمان) ونحن بذلك نساهم في بناء جيل طموح ومتميز».

ثم علق أحد الحضور على كلامه بقوله إن هذه البرامج تسمّر الشباب أمام التلفاز لساعات طويلة كان يمكن أن يستغلوها في أشياء مفيدة، فرد المدير نفسه: «وما ذنبنا نحن إذا لم توجد الحكومات العربية بدائل لهذه البرامج، والحق يقال إن الشاب العربي ليس لديه متنفس غير التلفاز (يقتل) من خلاله وقت فراغه، فلا تلومونا ولوموا الحكومات العربية».

ثم تحدث مدير آخر وقال: «من وجهة نظري فإننا نعلم الشباب العربي الديمقراطية التي حرم منها آباؤهم، فنحن لا نريد لهم أن يعانوا كما عانت الأجيال من قبلهم، ونريدهم أن يكونوا مستعدين لخوض غمار المشاركة الديمقراطية في المستقبل. أضف إلى ذلك أن الأصوات تفرز بكل شفافية وبدون تدخل القائمين على البرنامج، وذلك لتحقيق المصداقية في المشاركة.

من ناحية أخرى فإننا نثري الساحة العربية بالفنانين الذين سيشكلون في المستقبل الجيل المعطاء لأوطانهم ومجتمعاتهم، وأخيراً فلقد استطعنا أن نحقق براءات اختراع لبرامج تلفزيونية بدأت تنسخ في تلفزيونات عربية أخرى وهذا يضاف إلى رصيد براءات اختراع الوطن العربي». أما المدير الأخير وهو الذي حصل على تصفيق الجمهور فإنه قال:

«أما نحن فلا نسعى لتعليم الشباب الديمقراطية ولا الطموح، وكل ما نرمي إليه هو العائد المادي التي تدره هذه البرامج من خلال تصويت (المقترعين) وعن طريق الإعلانات التجارية».

شدني الحديث عن براءات الاختراعات فذهبت وبحثت في تقرير التنمية الإنسانية العربية فوجدت أن براءات الاختراع العربية المسجلة في الولايات المتحدة الأميركية يبلغ مجموعها 370 بينما سجلت كوريا 16328 براءة اختراع وإسرائيل 7653.

ثم بحثت أكثر عن الصرف على البحث والتطوير فوجدت أن القطاع الخاص - وليست الحكومة - يصرف في السويد ما قيمته 85 ,2% من الناتج المحلي الإجمالي على البحث والتطوير بينما لم أجد أي دولة عربية ضمن القائمة، وحسب تقرير البنك الدولي فإن إسرائيل تخصص 7 ,3% من ميزانيتها السنوية للبحث والتطوير وهي بذلك تحتل المركز الثالث عالمياً.

أما بالنسبة للحديث عن الطموح والتميز فلا يختلف اثنان على أن أساس ذلك هو التعليم والاطلاع ، ولا ينقص هذا من كون بعض غير المتعلمين ذوي طموح وحققوا تميزاً منقطع النظير في حياتهم كرجل الأعمال الإنجليزي Richard Branson الذي يملك مجموعة «فيرجن» إلا أن مثل هذه الحالات النادرة لا يعتد بها.

وفي دراسة قام بها معهد علوم التعليم في أميركا عن القراءة والاطلاع لدى طلبة المدارس تبين أن 39% من الطلبة في النرويج وآيسلندا يملك الواحد منهم قرابة 450 كتابا في البيت، بينما حققت البرتغال أقل هذه المعدلات حيث يملك أقل من 20% من طلبة المدارس قرابة 300 كتاب لكل طالب.

أما عن عدد الكتب في المكتبات فإن جورجيا التي لا تتجاوز مساحتها 7% من مساحة مصر تملك أكثر من 76 مليون كتاب وهي بذلك تتصدر الترتيب العالمي، أما مصر فإنها تملك مليون كتاب «فقط» وهي بذلك أغنى دولة عربية بالكتب وذلك حسب تصنيف اليونيسكو.

وفي نهاية الجلسة قام أحد الحضور ليروي هذه الحكاية: «جاءني ابني الذي بقيت له سنة واحدة عن تخرجه من كلية الصيدلة ليقول لي بأنه يريد أن يتوقف عن الدراسة لمدة سنة ليدخل في برنامج ستار أكاديمي، وعندما سألته عن السبب قال لي بأنه سيستطيع خلال هذه السنة أن يحقق شهرة واسعة قد تساعده في المستقبل على تأمين لقمة العيش! فقلت له ما قاله لي والدي قبل ثلاثين سنة، أنهي دراستك ثم افعل ما شئت».

بعد أن انهزمت اليابان في الحرب العالمية الثانية، أعلن الإمبراطور أنه ليس إلها بل هو بشر كباقي اليابانيين، ولو أنه كان إلها لما هزم شعبه، مما دفع العديد من اليابانيين إلى الانتحار على بوابات قصره وذلك لأنهم لم يستطيعوا تجرع مرارات الهزيمة، فكيف بهم وهم يفقدون إلههم.

ولكنه قال للشعب بأنهم مخيرون بين أمرين، الأول أن يبكوا على أمجادهم ويندبوا حظهم العاثر، والثاني أن ينفضوا عنهم غبار الهزيمة ويستفيدوا من كونهم محمية أميركية لا تتحمل أعباء المصاريف العسكرية التي يمكن تسخيرها في نواح تنموية.

وبذلك قد تصل هذه الأمة إلى مكان أفضل مما هي فيه، فاختار الشعب الخيار الثاني، وبدأ عصر نهضة ثانية مكملا لعصر الإمبراطور ميجي، فانصب اهتمام الدولة والشعب على التعليم، وتم إرسال آلاف الطلبة إلى مختلف دول العالم لدراسة علوم جديدة ولاستكمال دراساتهم العليا.

كما تم إدخال العديد من التعديلات في المناهج كان أهمها هو تدريس القيم اليابانية كالانضباط ومحاسبة الذات. ومن طريف القول أن الحكومة أدخلت مادة جديدة سمتها «ترتيب المنزل» لتعزيز مفاهيم الاعتماد على النفس وتقدير الوقت.

وقد لا تكون اليابان من أكثر دول العالم صرفا على التعليم، إلا أنها احتلت المرتبة الرابعة في اختبارات الرياضيات العالمية (PISA) وذلك لكون نظامها التعليمي ذا أهداف ومخرجات واضحة، فالدولة تعرف ماذا تريد من الأجيال الدارسة وما هي القطاعات التي يجب أن تركز عليها.

ومن نافلة القول أن نشير إلى أن اليمن يخصص 8, 32% من ميزانيته السنوية للتعليم وهو بذلك يحتل التصنيف الأول عالميا في «الصرف» وليس في الناتج التعليمي، مما يدلنا على أن القضية ليست مرتبطة بكم نصرف، ولكنها كيف نصرف على التعليم وماذا نريد منه.

لقد حققت اليابان في غضون ثلاثين سنة فقط بعد الحرب العالمية الثانية التي خلفتها مدمرة تماماً ما لم تستطع كثير من دول العالم تحقيقه في القرون الثلاثة الماضية، وما ذلك إلا لأنهم علموا بأن قيادة الأمم تأتي بالاقتصاد، وأن الاقتصاد بكل فروعه أساسه التعليم. ونحن نتمنى بالإضافة إلى تعليم الشباب «الديمقراطية» والطموح والغناء والرقص.

وبجانب تعليمهم الطب والهندسة والإدارة وغيرها، أن يتعلموا «الصناعة» ليستطيع الطبيب أن يخترع عقاراً لمرض ما، ويعرف الإداري كيف يبتكر مفهوماً جديدا في علم الإدارة ولا نكتفي باستخدام الأشياء حتى وإن كنا نستخدمها بإتقان، فإننا سنظل «مستهلكين».

وستظل أسواقنا هي أسواق استهلاكية... قال أحد وزراء اليابان يوما: «اليوم تتحدى اليابان أن يوجد بيت في العالم ليست فيه قطعة مكتوب عليها صنع في اليابان».

باحث إماراتي