كان تفكيك الدولة الصهيونية، وعودة كل يهودي من حيث أتى هو الحلم الأكبر المسيطر على العالم العربي حتى أوائل عقد الثمانينات. وكان هذا الحلم يبدو ممكن التحقيق على الأقل في أخيلة الثوار رغم قنابل إسرائيل النووية ورغم الضمانات الغربية التي أكدت على الدوام أن إسرائيل وجدت لتبقى.

كانت المخيمات الفلسطينية في الشتات وحدها ضامنا لئلا تضيع فلسطين، فالملايين الذين دأبوا على الذوبان في الدول التي استضافتهم سواء بدافع حلم العودة القريبة أو بدافع خوف المجتمعات العربية من دمجهم فيها، ظلوا جسم الجريمة الصهيونية التي يستحيل مع وجودها نسيان ما حدث أو غفرانه مهما كانت الأسباب لكن جسر الاستربتيز العربي الذي تم تشييده لتمر عليه الأجيال فيما بعد بدأ باجتياح شارون للبنان (عندما كان وزيرا للدفاع).

فقد استغل البلدوزر لحظة فارقة في التاريخ العربي.. سلام مع مصر وتشظ لجبهة الصمود والتصدي التي تشكلت عقب كامب ديفيد، وحرب طاحنة تتم فيها تصفية الصراعات العربية على أرض لبنان، وإدارة أميركية رأت الاتحاد السوفييتي يتضعضع من الداخل وأرادت جمع غنائم الحرب الباردة قبل أن تكبلها الاتفاقات مع الدب الروسي الجريح.

وهكذا حانت لشارون لحظة يندر أن تتكرر لإغلاق آخر جبهة يستطيع الفلسطينيون أن يطلوا منها على أرض وطنهم ويشتبكوا وجها لوجه مع البندقية الإسرائيلية.

كان خروج مقاتلي فتح من لبنان ومعهم ياسر عرفات تمثل لحظة انكسار حلم زوال إسرائيل لم يخف هذا الانكسار المعنويات العالية التي ظهرت على المسلحين المغادرين ولا رد عرفات حينما سئل: إلى أين يا أبو عمار فقال: إلى فلسطين ؟

فالبندقية الفلسطينية حكم عليها في تلك اللحظة بالنفي إلى بلدان تبعد آلاف الأميال عن الوطن، ولم يعد في جعبة الفلسطيني غير التفاوض، والأخير في غيبة القوة الرادعة يصبح نوعا من التلاعب بالوقت والكلمات والمشاعر سعيا إلى صيغة تحفظ بعضا من ماء وجه الثورة والثوار.

وللحقيقة فإن ياسر عرفات بقي حتى جاد بأنفاسه الأخيرة مصرا على حكاية ماء الوجه هذه ربما بما بقي معه من أحلام ثورية تكسر معظمها على واقع عربي رديء، فكانت الأماني تسقط كبلورات نقية على صخر بائس فتتحول إلى شظايا لا تلبث أن تسفوها الرمال.

واضطر الرجل في لحظات كثيرة أن يتحول إلى بهلوان يمني الجماهير العريضة بأن يرفع شبل من الأشبال أو زهرة من الزهرات علم فلسطين فوق مساجد القدس وكنائسها، ويتمنى في قرارة نفسه أن يعاود الإسرائيليون عرض ما عرضوه في كامب ديفيد الثانية.

لذلك فإن وثيقة الأسرى (وهم نفر من أنبل من أنجبت الأمة في عقودها الأخيرة ) تمثل السهم الأخير في جعبة مهزوم، يطلقه وهو يعلم ألا مناص أمامه غير قبول الأمر الواقع بكل ما يحمله من تراجيديا، شيء يشبه قول الخميني انه كمن يتجرع السم حين وافق على اتفاق ينهي الحرب مع العراق، حينما تيقن أنه ليس بإمكانه أن ينتصر.

هل قبول هذه الوثيقة يمثل نوعا من التنازل؟ وهل تستطيع حماس التي ما زالت إلى اليوم تتمسك بحلم وطن من النهر إلى البحر أن تمضغ كرة الأشواك هذه ؟.

الحقيقة أن كون هذه الوثيقة تنازلا هو أمر مؤكد، والمرير في القصة بأكملها هو أنه يظل تنازلا من طرف واحد.

ليس على مائدة مفاوضات حتى يقدم الآخر تنازلات مقابلة، كما أن الطرف الإسرائيلي ليس بالنبل الذي يجعله يوقن أن الفلسطينيين دجنوا أحلامهم أخيرا، ومن ثم فإن الخطوة المقابلة تكون بانسحاب إسرائيلي حتى حدود 4 يونيو 67.

الطرف الإسرائيلي تغريه رائحة دم الأحلام الوطنية والقومية حين تذبح، وكذئب تفتح شهيته للمزيد من قضم الأرض ورسم وطن يهودي يوازي أحلامه هو ولا يضع في الاعتبار أحلام الآخر التي ذبحت على نصب إرادة المجتمع الدولي التي تبدو في كثير من الأحيان وكأنها إرادة إسرائيل ذاتها.

الفلسطينيون سئموا من الحصار والتجويع، وأثلمتهم سيوف الإخوة والأعداء.. تعبوا من هذا النضال الذي تخلى عنهم فيه الشقيق والصديق، ووجدوا أنفسهم يكررون أسطورة سيزيف، حيث الصخرة تتدحرج على المنحدر كلما رفعوها بدمائهم وشهدائهم وأسراهم وجرحاهم والعالم العربي أصبح مدمنا للانكسارات، ولم يعد لديه ما يقدمه سوى حض الفلسطينيين على الانبطاح والانسحاق ورفع الرايات البيضاء.

سحقا للعرب المنبطحين وطوبى للعرب الحالمين بوطن وكرامة وعزة نفس.

magdishendi@hotmail.com