خرجت علينا الساحة السياسية في مصر بشكل جديد من أشكال المعارضة أطلقوا عليه اسم «المدونات»، وهي عبارة عن مواقع على الانترنت تسجل أحداثا ومقالات وشعارات وصورا وأشعارا وغيرها.

واعتبر البعض هذا الشكل من المعارضة السياسية شكلاً متطوراً يواكب التقنية الحديثة في التواصل والاتصال، وأطلق عليها البعض «الحرب الالكترونية»، وامتدح البعض هذا الشكل من المعارضة معتبرا إياه أحد أساليب النضال السياسي الحديث، وانفردت إحدى الفضائيات بإبراز هذا الشكل الجديد للمعارضة السياسية في مصر.

بعد ربع قرن من النضال السياسي عبر مقرات الأحزاب وصحفها لم تستطع المعارضة المصرية أن تثبت وجودها ولا حتى أن تحرك ساكنا في الشارع المصري الممتد عبر ستة وعشرين محافظة ومئات المدن الصغيرة والكبيرة وآلاف القرى.

الآن يأتي النضال الالكتروني والصياح والجدل عبر شاشات الفضائيات ليعكس بوضوح مدى ابتعاد هذه المعارضة عن واقع الشارع المصري الذي يعج بالقضايا الساخنة والمشاكل المتفاقمة والمزمنة، وكيف يمكن لهذه المعارضة أن تحقق شيئا في هذا الشارع الكبير وهي محصورة في وسط القاهرة في مربع لا يزيد على كيلو متر مربع لا تتجاوزه ولا تريد أن تتجاوزه.

وكيف لها أن تقترب من الشعب وتلتحم به وهي تدافع عن قضايا غريبة عنه لا يفهمها، هل الشعب المصري الذي يزيد على سبعين مليون نسمة تشغله بالفعل قضايا حرية الرأي والديمقراطية وحقوق الإنسان، أين هذه القضايا من قضايا .

ومشاكل الفساد والبطالة والسكن وغلاء الأسعار والأمراض والعلاج ورغيف العيش ورواتب العمال المتدنية ومعاناة الفلاحين التي دفعتهم لهجرة الأرض والزراعة وعدم مقدرة الموظف الحكومي على تعليم وإطعام وكساء أسرته.

إذا كانت صحف المعارضة بكل سخونتها وحدتها فشلت على مدى ربع قرن في اقتطاع قروش قليلة من دخل المواطن المصري لشرائها، فهل تنجح شبكة الانترنت وتقنيات الاتصالات الحديثة في الوصول لهذا المواطن؟

لم يشهد تاريخ الشعوب نجاحا لنضال سياسي يتجه ويسير بعيدا عن الشعوب نفسها، والشعب المصري لا يختلف عن باقي الشعوب في هذا المجال، ولو رجعنا قليلا لسنوات السبعينات نتذكر كيف كان الشارع السياسي المصري ساخنا ومشتعلا وقادرا على التصدي للعديد من مشاريع الفساد، وكيف كان خروج جامعة واحدة في إحدى مدن مصر يستدعي على الفور خروج كل جامعات مصر في آن واحد.

وكيف كانوا عمال مصرفي مصانعهم يستجيبون بفاعلية كبيرة لتحركات الشارع المصري، وكيف كانت النقابات تقود حركة النضال السياسي، وكيف كانت التوترات داخل الجيش تستدعي من النظام تغيير القيادات أكثر من مرة، وحتى الأمن نفسه لم يكن هادئا ومستجيبا لأوامر النظام ضد الشعب.

وكلنا نتذكر انتفاضات الأمن المركزي، كل هذا كان يحدث دون أحزاب ولا فضائيات ولا انترنت، ومع هذا استطاع الشارع المصري آنذاك أن يفعل الكثير والكثير الذي لا يتسع المجال هنا لذكره، والذي لولاه لكان الوضع بعد السبعينات أسوأ بكثير جدا مما هو عليه الآن محليا وإقليمياً.

ما الذي حدث في مصر بعد السبعينات؟

تسيست المعارضة أكثر من اللازم وتحولت إلى وظيفة يقتات منها البعض ويتقاضى أجره من النظام الحاكم نفسه الذي أعطاها المقرات ونفقات الصحف، وأصبح النزول للشارع المصري ومعايشة قضاياه ومشاكله الحقيقية أمرا مرهقا ماديا وجسديا لا طاقة للأحزاب السياسية به.

وسيطرت النخبة المثقفة على العمل السياسي، ومن تلفظه أروقة النظام الحاكم تتلقفه جدران مقرات أحزاب المعارضة وصفحات صحفها، وجاءت الفضائيات لتزيد الطين بلة، فتحول النضال السياسي إلى نجومية تنافس نجومية الفنانين والرياضيين، وفرضت الفضائيات قضاياها على نجوم شاشاتها.

وأصبح مفروضا عليهم أن يلوكوا بألسنتهم المفردات المستوردة من الإصلاح السياسي وحقوق الإنسان وحقوق المرأة والديمقراطية وحرية الرأي، وكلها قضايا آجلة لا محل لها الآن في الشارع المصري ولا تهم إلا النخبة من أصحاب المصالح الخاصة المتطلعة للنجومية السياسية والعيش داخل دائرة الضوء بينما الشعب المصري كله يعيش في دوائر الظلام.

لا يمكن للحراك السياسي في الشارع المصري أن يحقق أية نتائج تذكر إذا ظل غريبا وبعيدا عن واقع ومشاكل وقضايا الشعب المصري، حتى لو فتحت له كل الفضائيات وكل الشبكات الالكترونية.