إذا اتفقنا على أن معظم الأحزاب التقليدية في الوطن العربي وخصوصاً في مصر قد ماتت أو هي في نزعها الأخير، وإذا اتفقنا على اليأس من إصلاح غالبية النظم العربية المتكلسة، وبالطبع لا رهان بالمرة على دعم من «الذئب الأميركي أو حتى النمر الأوروبي»، فالرهان الحقيقي على الطريق الثالث الذي يهمله الجميع تقريباً.

هذا الطريق الثالث في تقديري المتواضع هو قوى المجتمع المدني خصوصاً تلك الجمعيات والحركات المرتبطة بالجماهير تضاف إليها أي أحزاب ونقابات تستطيع إخراج نفسها من حالة «الموت السريري» التي دخلت فيها منذ زمن سواء برغبتها أو دفعها دفعاً من قبل الحكومات وأجهزة الأمن.

إذا اتفقنا على ذلك بات علينا النظر في السؤال الجوهري وهو كيف يمكن تقوية قوى المجتمع المدني التي تريد إصلاحاً عربياً حقيقياً، وليست تلك القوى التي بات كل همها تسجيل نفسها في شقة مفروشة وأحياناً غرفة، ثم تتصل بالاتحاد الأوروبي أو الولايات المتحدة كي تحصل على «هبرة» من الدولارات واليورو، وبعدها ينتهي كل شيء.

أحد طرق تقوية المجتمع المدني المصرية وهو ما ينطبق على مثيلاتها العربيات طبقاً لتجربتها في السنوات الأخيرة هو طريقة عملها.

الملاحظ أن السمة الرئيسية التي ميزت هذه الجمعيات والهيئات والحركات هو «النفس القصير» .

قد يقول قائل إن المجتمع المدني وأحياناً الأحزاب قد نجحت في الوصول للسلطة في بلدان مثل أوكرانيا وجورجيا في أوقات قياسية، والرد هنا بسيط، ان تلك القوى كان رهانها الرئيسي على تطبيق أجندة أميركية بحتة برتقالية اللون، وسوف يثبت لاحقاً إن لم يكن قد ثبت الآن أن اللون البرتقالي في طريقه للتحول إلى اللون الأسود أو ربما الكحلي، بسبب أن الأجندة الأميركية لا تريد إصلاحاً حقيقياً بل مجرد عملاء.

نعود إلى سمة «النفس القصير» التي تميز حركات المجتمع المدني العربية، هي حالة أشبه بالشاعر أو الروائي أو المثقف الذي يريد أن يقول كل شيء في ديوانه الأول أو روايته الأولى أو كتابه الأول، لديه اعتقاد أن هذا هو عمله الأول والأخير، يريد أن يضمنه كل شيء من الحكم والأمثال والآراء وربما سيرته الشخصية منذ مولده. قد تنجح هذه الفكرة مرة أو مرتين، لكنها تفشل غالباً.

فكروا قليلاً في النموذج الأوروبي، خصوصاً القوى المناهضة للعولمة في أوروبا وبالتحديد، في القوى الشريفة والمحترمة التي قررت التضامن مع الشعب الفلسطيني ضد البلطجة الإسرائيلية الأميركية، هؤلاء النشطاء الأوروبيون.

ومنذ بدء الانتفاضة الثانية تقريباً اتبعوا أسلوباً جيداً تلخص في تقسيم أنفسهم الى مجموعات تذهب إلى الأرض المحتلة كل فترة زمنية، يتظاهرون ضد العدوان وخصوصاً ضد جدار العزل، يظلون هناك شهراً مثلاً، يعودون إلى بلدانهم، ثم تأتي مجموعة جديدة، وهكذا يضمنون تواجداً مستمراً .

ويدفعون أحياناً ثمناً غالياً يتمثل في أرواحهم أحياناً مثلما فعلت راشيل كوري الأميركية أو مخرج الأفلام التسجيلية البريطاني، بعض هذه المجموعات أصدرت منذ أيام كتاباً تضمّن حصيلة تجربتهم ومشاهداتهم، ساهم في فضح الصورة الهمجية الإسرائيلية وتعريتها في أوروبا.

في المقابل، علينا أن نتساءل: كم تظاهرة كبرى خرجت في مصر أو في أي بلد عربي تضامناً مع فلسطين أو العراق أو حتى مع قضاياها الخاصة؟ على حدّ علمي فإن النتيجة أقل من عدد أصابع اليد الواحدة، والسبب ببساطة هو غياب أساليب النضال السلمي المتنوّعة، واعتقاد البعض أن خروجه في تظاهرة ما يسقط عنه كل شيء آخر، ثم يعود إلى بيته ليلاً ليحكي التجربة لأهله وزوجته ثم يغصّ في نوم عميق.

مرة أخرى التعميم خطأ، وهناك قوى وأفراد نبلاء، مستعدون للتضحية، ولكن في مرات كثيرة تعوزهم قيادات تنظم نضالهم السلمي بحيث لا يتحوّل إلى هباء منثور، لا يؤدي إلى تراكم حقيقي يساهم في تحقيق الهدف النهائي وهو الإصلاح.

وربما يلوح بريق أمل من تجربة التضامن مع القضاة في مصر، رأينا أن التظاهر المنظم والمتدرج أدى إلى شيوع حالة جديدة من الوعي، مثلما فعلت حركة «كفاية» في بداية ظهورها، وثبت أن نجاح نموذج في بلد عربي مثل مصر، يمكن أن يؤدي إلى انتقال الحالة إلى أكثر من بلد عربي آخر..

لماذا لا نفكر في الاستفادة من تجارب الآخرين، وننظم ونبتدع أشكالاً جديدة من النضال المستمر والمتدرج، بحيث تبقى الجذوة مشتعلة، كثير من الأنظمة المتكلسة تراهن على أن معظم هذه الحركات والاحتجاجات هي مجرّد هبة سرعان ما تنتهي، لماذا لا نثبت لهم أنهم مخطئون في تصوّراتهم؟

التظاهر، الإضراب، الاعتصام هي وسائل وليست غايات، هدفها تحقيق الإصلاح ومحاربة الفساد، إذن هي بداية، لكن الجوهر أيضاً يتمثل في النزول للناس العاديين أصحاب المصلحة الحقيقية في التغيير، ثم أخيراً من قال إن هناك إصلاحاً من دون ثمن؟

emadiraqi @yahoo.com