تدرك معظم السلطات العربية أن لا مناص من إقامة أنظمة ديمقراطية في بلادها وتلمس لمس اليد أن إدارة الظهر للديمقراطية أمر أصبح مستحيلاً في عصرنا الراهن، وتعي طائعة أو كارهة حتمية التحول الديمقراطي في مجتمعاتها انسجاماً مع معطيات النظام العالمي الجديد واستجابة للظروف التي ولدها تفجر الاتصال وثورة التقانية ومفاهيم العولمة المفروضة على الجميع.
وخضوعاً لتطور وعي شعوبها لحقوقها وواجباتها وإصرارها على حق المشاركة في بناء مجتمعاتها وتقرير مصيرها، وانسجاماً مع معايير الدولة الحديثة ومتطلباتها من حرية الرأي والتعبير وحق الحوار إلى التعددية ورقابة أداء الحكومة والإدارة و(تفشي) مفهوم تداول السلطة واختيار الشعب الحر لممثليه في ضوء برامجهم وتقويم أعمالهم ومحاسبتهم. وتعرف هذه السلطات أن من يقف بوجه تيار الديمقراطية الجارف في مختلف أصقاع الأرض سيجرفه التيار يوماً شاء أم أبى.
كذلك ترغب السلطات العربية بتأجيل التحول المحتوم، وتستعمل مهاراتها وإمكانياتها لرد القضاء المقدر أو على الأقل (الرأفة به). وتحاول الالتفاف عليه. وتطرح عادة مقدمتين لابد منهما حسب رأيها لتحقيق التحول الديمقراطي أولاهما الاحتجاج بضرورة التدرج والتمهل وتخيفنا من مخاطر التسرع وثانيهما أخذ خصوصية مجتمعاتنا وشعوبنا بعين الاعتبار.
ومن المؤكد أن الحجتين واهيتان لا تقنعان أحداً، فحجة الوقت تجعلنا نسير سير السلحفاة وتلتف السلطة من خلالها على الإصلاح وتمارس فنون البطء والمماطلة كلها، فتصدر مرسوماً أو قراراً أوتعليمات إصلاحية مرة كل عام مما يقتضي ألف عام ليس لتحقيق التحول بل للبدء فيه أو إنجاز بعض مراحله.
إن التدرج هام وصحيح والتحول الانقلابي محفوف بالمخاطر دون شك لكن ذلك لا يعني أن يتم تحت شعار التدرج والتعقل إلغاء التحول من أساسه (والوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك)، ومن الواضح أن معظم السلطات العربية رغم حديثها المتواتر منذ انتهاء الحرب الباردة عن الإصلاح والتحديث والتطوير والتحول الديمقراطي والشفافية وغيرها فإنها لم تحقق شيئاً جدياً في طريق الوصول إلى هذه الأهداف.
مما يؤكد أن الأمر لا يتجاوز الأقوال وبعض الترقيعات والالتفاف الصريح عليها. أما حجة الخصوصية المزعومة فهي بدورها تستخدم مبرراً لاستمرار الحال كما هو الحال، فخصوصية شعبنا هي في ثقافته وتقاليده وقيمه وتراكم خبراته ولم تكن يوماً معادية للديمقراطية والحرية والعدالة والمساواة والتكافؤ بل على العكس من ذلك فإن العدل (واعدلوا بين الناس) والحرية (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً) .
والمساواة والتكافؤ (الناس كأسنان المشط) والرقابة على الحاكم (إن أخطأت فقوموني) هي من صميم الثقافة العربية ومن ميزاتها، فماذا حصل حتى أصبحت خصوصيتنا تعني قبول الاستبداد والسكوت على الأنظمة الشمولية والتفرقة والانتماءات المتنافرة وأحادية الرأي وغيرها.
تستعين بعض السلطات العربية الحاكمة في التفافها على التحول الديمقراطي بفرضية أننا نمر في مرحلة صعبة ونواجه ضغوطاً خارجية وتهديدات أميركية صهيونية وغزوات استعمارية بأساليب جديدة، ولذلك لابد ـ حسب رأيها ـ من تأخير التحول الديمقراطي بانتظار صد الهجمة وإفشال الضغوط وإزالة التهديدات.
والحال أن الضغوط والهجمات والتهديدات لا يمكن مواجهتها إلا بتحول ديمقراطي ينطلق من إفساح إمكانية الحوار بين قوى المجتمع السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية وصولاً إلى توافقات وبرامج يتفق عليها الجميع ويلتزمون بتنفيذها في إطار نظام ديمقراطي شفاف يقبل النقد والرقابة ومحاربة الفساد وإفساح المجال لجميع أبناء المجتمع بأداء دورهم، وكل له دور لا يمكن إلغاؤه أو الاستغناء عنه.
وكلما تصاعدت الضغوط ومررنا (بالمراحل المصيرية) فإننا بحاجة أكبر للمصالحة الوطنية والوحدة الوطنية والتحول الديمقراطي على عكس مزاعم السلطات التي تنادي بتجميد تطورنا وإبقاء الحال على ما هو عليه ريثما نتغلب على الضغوط ونجتاز المراحل المصيرية.
إن ألف باء الديمقراطية يعني قبول الآخر والسماح له بالتعبير عن رأيه والتواصل معه وإفساح المجال لحوار جاد بينه وبين السلطة لاكتشاف مواقع النقص أو الخطأ أي بصريح العبارة قبول المعارضة والاعتراف بها وسماع رأيها (سواء أُخذ به أم لا) وإتاحة الفرصة لها لتشرح مواقفها وتدافع عن رأيها.
وإن لم يتحقق ذلك فإن ما يقال عن التحول الديمقراطي هو كلام دعائي و (قبض الريح) وإصرار على بقاء السلطة شمولية واستمرار السير على رجل واحدة.
تقدم السلطات الحاكمة في البلدان الديمقراطية لمعارضتها جميع المعلومات الضرورية عن الدولة والإدارة والاقتصاد ومختلف شؤون الحياة لتكون دائماً على اطلاع على مجريات التطور ومستلزماته، كما تتيح لها الإمكانيات كاملة لتعبر عن رأيها وتحاول إقناع الرأي العام به. وتقدم لها مساعدات مالية من الدولة لخوض الانتخابات وأخذ فرصتها كاملة.
وتشاركها مشاركة الند للند في الاستفادة من وسائل الإعلام العائدة للدولة وتعتبرها دائماً البديل المحتمل الذي يمكن أن يستلم السلطة ويتداولها، ولذلك فمن حق المعارضة أن تكون مطلعة على كل شيء في حياة المجتمع وسياساته حفاظاً على الاستمرارية .
وعلى مصلحة الأمة، حتى أنها تتشاور مع المعارضة في القرارات ذات الطابع الوطني العام التي تنوي اتخاذها. وتنطلق في ذلك كله من مصلحة البلاد العليا ومن إيمانها بحق الآخر بتداول السلطة وحق الأمة بالحفاظ على مسيرة التطور.
أما في مفهوم ديمقراطية سلطاتنا العربية فلا يحق للمعارضة أن تبدي رأيها أو تمارس الحراك الاجتماعي أو السياسي أو تحصل على المعلومات المتعلقة بالدولة، ولا تستشار لا في الكبيرات ولا في الصغيرات.
وإن أرادت مساعدة السلطة في إنجاح التطوير والتنمية يرفض طلبها، ولا يقام أي تواصل معها سرياً كان أم علنياً، وإن لم تمتثل لهذا الواقع المر فهي متآمرة ملعونة مذمومة تتهم بطيف واسع من الاتهامات منها دس الدسائس لدى جهات أجنبية أو الاتصال بالخارج وصولاً لاتهامها بالخيانة العظمى، ناهيك عن أنها لاتدرك المرحلة المصيرية التي تمر بها البلاد حسب رأي السلطة.
هكذا فالديمقراطية العربية بنظر معظم السلطات هي استمرارية الوضع الساكن الحالي والمماطلة في تحقيق أي تحول ورفض الآخر فرداً كان أم مجموعة وكل ما تسمح به بل وتطالب به فهو الحديث عن الإنجازات العظيمة التي لا يلمس المجتمع وجودها غالباً لأنها إنجازات وهمية تمتلئ بها صفحات الجرائد وأخبار وسائل الإعلام المسموعة والمرئية.
كاتب سوري