وسط أجواء عاصفة سادت الساحة العراقية في الأيام الأخيرة، أبرزها تداعي الوضع الأمني بشكل خطير وغير مسبوق في مدينة البصرة ثالث أكبر المدن العراقية، واختطاف الدبلوماسي الإماراتي وتكرار مسلسل الرعب اليومي الذي تقدمه السيارات المفخخة.

وتصاعد الحدة في حوارات الدم التي تُترجم يومياً إلى عشرات الجثث التي ترمى هنا وهناك، وسط هذه الأجواء منحَ مجلس النواب العراقي في العشرين من هذا الشهر الثقة لوزارة السيد نوري كامل المالكي كأول حكومة دستورية لمدة أربع سنوات.

وقد كشفت الأزمة الوزارية، التي طالت لفترة تزيد على الخمسة شهور، عن حجم الاحتقانات السياسية في العراق، وأماطت اللثام عن معالم اللوحة التي رسمتها الكتل السياسية على أرض الرافدين و أبرزها:

1- انعدام الثقة، أو بأحسن الحالات ضعفها، بين الفرقاء الذين وصلوا إلى مجلس النواب.

2- هشاشة الكتل السياسية وجاهزيتها للتفكك بسبب الخلافات حول المكاسب.

فضعف الثقة بين الكتل السياسية وسعي كل منها للحصول على المكاسب كان وراء التأخير في تشكيل الوزارة، كما أن هشاشة هذه الكتل قد تكشفت في مناسبات شتى: انسحاب حزب الفضيلة، أحد المكونات المهمة في الائتلاف العراقي الموحد، من محادثات تشكيل الوزارة، امتناع بعض مكونات جبهة التوافق العراقية عن منح الثقة للوزارة، العتاب المر بين المؤتلفين في القائمة العراقية الوطنية حول مرشحيها لبعض الوزارات و رفض كتلة الحوار الوطني المشاركة في الحكومة.

بداية لا أعتقد أن عاقلاً يحسد السيد المالكي على هذا المنصب، في هذا الوقت بالذات، إذ سيكون على حكومته مَهمة إدارة شؤون بلد لم يعد أبناؤه يعرفونه، فهو أشبه بالحطام في النفوس وفي البنيان، بلد يمتلك موارد طبيعية هائلة الوفرة لكن سكانه فقراء وصل عدد الذين تحت خط الفقر فيه إلى خمسة ملايين شخص، وتصاعد فيه الفساد المالي والإداري إلى مستويات غير مسبوقة في العالم، وتراجع اقتصاده مسافات طويلة إلى الوراء.

وارتفعت نسبة البطالة فيه إلى أعلى مستوياتها، وبلغت الممارسات الطائفية أشدها حين انتقلت من مقرات الأحزاب إلى الشارع والمقهى ثم تسللت إلى أجهزة الدولة، الأمنية منها، بشكل خاص. وأصبحت أداة الإرهاب فيه ليس الدولة الشمولية ومؤسساتها القمعية، كما كان الحال في النظام السابق، وإنما المليشيات المسلحة التي تعاظم نفوذها بسبب ضعف الدولة وغياب سطوة القانون، و تردي قطاع الخدمات إلى مستويات مزرية جعلت الناس يفتقرون إلى أبسط مقومات الحياة الكريمة، وتسللت أيد شريرة من خلف الحدود لتصفية علماءه وخبراءه، وانتشرت فيه عصابات الإجرام المختلفة.

لذلك فالحكومة الجديدة يثقل كاهلها جبال من المهام الضخمة التي لا قبل لها بتحملها لوحدها، فهي بأمس الحاجة إلى مساندة وطنية تتراجع أمام ضرورتها الخلافات الحزبية والفئوية والجهوية. فقد آن الأوان للكثير جداً من العراقيين ليعودوا إلى رشدهم الذي أختل في السنوات الأخيرة وإلى ضمائرهم التي غفت، فليس هنالك فرص أخرى أمامهم للحفاظ على ما تبقى من بلد ينحدر نحو هاوية لا أحد يعرف قرارها.

لا شك أن الوزارة الحالية ليست هي الأمثل، فالعراق بلد يزخر بالكفاءات والشخصيات الوطنية، ولكن الواقع السياسي الذي يمر به في المرحلة الحالية لا يمكن أن يفرز إلا وزارة لها التشكيلة التي أُعلنت والتي رضيت بها وارتضتها الكتل السياسية الأساسية في مجلس النواب.

صحيح أن المبدأ الذي انبثقت في إطاره هذه الوزارة، هو مبدأ المحاصصة العرقية والطائفية البائس والبغيض، وصحيح أيضاً أن هاجس الحصول على المكاسب الشخصية والفئوية كان مسيطراً على أجواء المحادثات، وصحيح كذلك بأن أجواء المحادثات لم تخل من ضغوطات مارستها جهات عديدة، غير عراقية، لها مصالح في رسم بعض ملامح العراق خلال السنوات الأربع القادمة.

وصحيح ان عدد وزارات الدولة بلغ العشر من المجموع الكلي البالغ سبع وثلاثون وهو رقم مرتفع جداً تأتى لإرضاء طلبات بعض الكتل وليس لغرض الصالح العام. وصحيح أن بإمكاننا ذكر عشرات الملاحظات السلبية عن الوزارة وعن أشخاصها وعن الأسلوب الذي تم وفقه تشكيلها. لكن رغم كل ذلك فليس هنالك من خيار أمام العراقيين غير النجاح في اجتياز المحنة الحالية، فهي مَهمةٌ تتضاءل أمامها مصالح الأفراد والجماعات، وهدف يصغر أمامه الجميع، فلن يغفر التأريخ لمن يضيع فرصة قد تكون الأخيرة لبقاء بلد تعب أبناؤه في بنائه على مر السنين.

تتسم تصريحات السيد المالكي بالوضوح، فهو يعرف أين يكمن مفتاح النجاح في استتباب الأمن الذي هو محور النجاح في العملية السياسية، فقد أشار إلى ضرورة حل المليشيات والقضاء على فرق الموت، فالسلاح لا ينبغي أن يكون خارج سلطة الدولة، وهو بهذا يهيئ نفسه ووزارته لاجتياز أول امتحان عسير يضمن بعده نجاحاً في الامتحانات الأخرى الأقل صعوبة.

فمع حل المليشيات تزول الكثير من بؤر التوتر والاحتقان وتستعيد أجهزة الدولة قوتها وهيبتها ويستعيد المواطن اطمئنانه، ويتم القضاء على الكثير من المظاهر السلبية الخطيرة التي تعيق البناء، وأبرزها تهريب النفط الذي يلحق ضرراً بالاقتصاد العراقي لا يقل عن مليار دولار شهرياً.

ولم يختزل المالكي الملف الأمني بالإشارة إلى حل المليشيات المسلحة فحسب، فقد ذكر بأن التعامل مع قضية الأمن يحتاج إلى معالجة سياسية واقتصادية واجتماعية شاملة. فهو بإشارته هذه يترك الباب مفتوحاً للحوار مع بعض الفصائل المسلحة التي قد تدخل في العملية السياسية لأنها لم تستهدف العراقيين في أنشطتها، وهذا ما سبق وأن ذكره السيد جلال الطالباني رئيس الجمهورية حين أعلن بأنه يُجري محادثات مع بعض هذه الفصائل.

وعندما يشير المالكي إلى المحور الاقتصادي في القضية الأمنية، فهو على وعي بحجم مشكلة البطالة الخطيرة التي تعصف بالملايين من الشباب المحبط الذي قد تضطره الحاجة إلى الانخراط في منظمات إرهابية أو عصابات السرقة والخطف أو غير ذلك. كما إن إزالة الغبن الذي تشعر به بعض شرائح المجتمع هو الآخر عامل مهم في استتباب الأمن.

من الضروري جداً لنجاح المالكي، في مهمته الصعبة، الإسراع في العمل على أعادة بناء الهوية الوطنية العراقية كمدخل لا بد منه للنجاح، من خلال إعادة الثقة للمواطن العراقي بأن العراق بلدٌ لكل العراقيين بغض النظر عن الدين أو المذهب أو العرق أو الانتماء الحزبي.

ولن يتحقق ذلك إلا من خلال الأخذ بمعيار الكفاءة، والكفاءة فقط، لإشغال المراكز في مختلف هياكل الدولة، وفي القبول في الجامعات والدراسات العليا وفي إيفاد البعثات الدراسية إلى الخارج وفي جميع الأنشطة الأخرى، وعدم التهاون مع من يخل بهذا المعيار لصالح حزب أو فئة. وقد يكون من المناسب لتحقيق ذلك، استحداث هيئة مستقلة ترتبط بمجلس النواب مهمتها إجراء تقويم شامل لكافة ملاكات الدولة للتأكد من أن شاغليها يتمتعون بالكفاءة التي يتطلبها هذا المركز أو ذاك.

كاتب عراقي

majamal@emirates.net.ae