في مرحلة ما كنا نعتبر الشخص الذي يدفع 25 مليون دولار مقابل لوحة فنية رسمها فنان كبير بحجم فان جوخ أو سلفادور دالي، مجنوناً بامتياز أو أنه شخص يلعب بالمال والذهب إلى درجة أنه يدفع كل هذه الثروة مقابل لوحة صغيرة سينتهي أمرها في النهاية معلقة على حائط في قصر أو في متحف لا فرق.. في تلك المرحلة كنا ننظر إلى المليون والـ 25 مليوناً على أنها ثروة طائلة لا يحلم بامتلاكها أكثر الحالمين تطرفا وجنوناً!!

وتوالت الأخبار المشابهة فيما بعد وتعودنا على ثري أميركي يشتري عملا فنيا نادراً بـ 120 مليون دولار، وآخر ياباني يدفع أكثر مقابل لوحة نادرة لمونيه، أو وثائق آرامية مثلاً، أو مخطوط إسلامي، أو تحفة فرعونية أو.. الخ، وظل الأمر محصوراً في منطقة الاستثمار وتجارة التحف الفنية الرائج سوقها في الغرب واليابان وظل المزايدون في هذا المجال محصورين في الغرب في معظم الأحوال ونادراً ما نسمع عن اسم عربي أو خليجي تحديداً!!

في السنوات المتأخرة من القرن العشرين بدأ أثرياء العرب والخليجيين من الذواقة للفن ونوادره ومن العارفين المتبحرين بقيمة هذه الكنوز الفنية النادرة يدخلون هذا السوق ويتنافسون في المزايدات الشهيرة في لندن وفرنسا ونيويورك، ومع ذلك فهم نادراً ما يصمدون عندما تتجه الأرقام اتجاهاً فلكياً يخترق حواجز عشرات الملايين..

وبما أن الشيء بالشيء يذكر فقد كان السبب في صدمة الناس وحديثهم زمناً طويلاً عن المبالغ التي يتم دفعها من قبل المليونير السعودي للمغنية هيفا وهبي يعود للسبب ذاته.. فما من شيء في الشرق العربي يستحق أن نزايد عليه بكل هذه الملايين حتى وإن كان هيفا وهبي شخصياً!! ولذلك انسحب العريس من المزاد بأسرع مما توقعت الست هيفا!!

مع ذلك ففي الشرق الخليجي تحديداً تتطور الأمور كثيراً وبأسرع مما كان متوقعاً ولذلك أسباب، فطفرة مشاريع التنمية وسوق العقار والمليارات التي تصب في هذه المشاريع والأرباح الخرافية التي حققتها أسواق المال خلال السنتين الماضيتين، إضافة لأسباب أخرى نعرفها دون أن نستطيع ذكرها، جعلت مزادات أخرى تنتعش في المنطقة لعل أكثرها شيوعاً مزادات أرقام السيارات المميزة والهواتف النقالة كذلك.

فقد سمعنا عن دفع عدة ملايين من الدراهم نظير رقم مميز في دبي ورأس الخيمة، وسمعنا مؤخراً عمن دفع عشرة ملايين درهم مقابل رقم هاتف نقال قيل به عبارة عن مضاعف الرقم (6) سبع مرات، ما يجعله الرقم الأغلى في العالم!!

وتبقى الأسئلة في نهاية الأمر مشرعة ومشروعة، أسئلة الذهنية الخليجية وتعاطيها مع المال وتوظيفها لهذه الثروة في مجالات الاستهلاك التي تخرج أحياناً من منطقة الاحتياجات وحتى الكماليات، لمنطقة الإنفاق المستهجن والمنتقد بشكل لاذع ما يدفعنا في النهاية إلى تصدر قوائم المبذرين والذين يستخدمون الثروة بشكل غير مقنن وغير رشيد، ما ينعكس تالياً على تعاطي الآخرين معنا على أننا أناس لديهم أموال كثيرة وزائدة عن الحد وعن الضرورة ولذلك فهم مشاريع سهلة للاحتيال والنصب والسرقة.. ونحن من نقدم هذه الصورة عن أنفسنا للأسف!!

sultan@dmi.gov.ae