إن المقلّب بين القنوات الفضائية التي يتجاوز عددها في كل بيت بضع مئات على أقل تقدير يستطيع أن يقوم بعملية فرز للقنوات العربية (وغير العربية ولكنني سأركز على العربية) وتصنيف، إذ سيلاحظ مباشرة أنها تنقسم الى قسمين كبيرين: الأول يشمل القنوات الاخبارية، والثاني يشمل القنوات الترفيهية، وعدد قليل جدا من القنوات يخرج عن نطاق هذين القسمين الكبيرين، وهما اثنان أحلاهما مرٌّ.

وفي هذه المقالة سأتوقف عند القسم الأول منهما فقط، وعند تأثيراته السلبية التي تركها على نفسياتنا، وقد بلغت حد المساس بإنسانيتنا نتيجة رؤيتها بشكل يومي، طوال الوقت تقريبًا؛ فعندما يشاهد المرء، في أي وقت، أي قناة إخبارية لن يجد فيها سوى أخبار عن احتلال هنا، وقتل هناك، ومجاعة في مكان ما، وفيضانات وسيول في مكان آخر، وزلازل وكوارث طبيعية في جهة من العالم، واختطاف وذبح وصلب وتمثيل بالجثث في جهة أخرى، وحصار في جهة ثالثة، وهلم جرا.

أعتقد أن مثل هذه الأخبار وما تحمله من مشاهد ملطخة باللون الأحمر الممزوج بالسواد وضعت المشاهد العربي في خانتين: الأولى للمحبطين الذين سلموا أمرهم لله ولكنهم لا يستطيعون أن يمنعوا أنفسهم من التأثر بكل ما يرونه، ومن الإحساس بالعصبية والضيق الذي يحولهم إلى قنابل موقوتة على استعداد دائم للانفجار في أول وجه يعترضهم سواء كان أحد الأبناء أو الزوجة أو أحد زملاء العمل، أو حتى أي شخص يرونه في طريقهم.

والثانية -ويبدو لي أنها تمثل الأغلبية- للذين استطاعوا ويستطيعون أن يتأقلموا مع ما يرونه على اعتبار أنه واقع لا مفر منه، وأننا لا نملك سوى الدعاء لهؤلاء البشر المنكوبين والمحتلين والمجوّعين -وغيرهم ممن يعانون بشكل أو بآخر- أن يفتح الله عليهم، وأن يفرج عنهم كربهم.

وكما ذكرت، فإن هذه الفئة في رأيي تبدو هي الغالبة، إذ أصبح الكثيرون منا معتادين على منظر الدماء والقتل والتعذيب، وعلى مناظر المشردين واللاجئين ، كما أصبحنا -بكل أسف- قادرين على ممارسة حياتنا الطبيعية في ظل وجود كل هذه الكوارث أمام أعيننا على مدار الساعة بفضل قنوات البثّ المباشر الفضائية التي تحمل لنا العالم كله وتضعه أمامنا.

وهكذا أصبحنا نأكل ونحن نتابع نشرة الأخبار التي لا تخلو من اللون الأحمر إلا فيما ندر، ونقود سياراتنا ونحن نستمع إلى الأنباء المفجعة والمؤلمة، دون أن نفقد تركيزنا وانتباهنا، بل الأكثر من هذا أن أبناءنا -ونحن ولله الحمد في بلد أنعم الله عليه بالأمن والأمان والسلام- اعتادوا على هذه المناظر، وأصبح لون الدم لا يهزّهم ولا يخلخل شيئًا في دواخلهم، لكثرة ما يشاهدون وهم يقلبون القنوات الفضائية على الأقل.

ولعلّ انتشار ملفات البلوتوث التي تلتقط في الشوارع بمجرد أن يحدث حادث مروري هي إحدى نتائج هذا التعوّد الذي بلغ حد التبلّد، فيستطيع الشاب أو المراهق التوقف بسيارته، والتوجه إلى موقع الحادث لا لكي يطمئن على السائق والركاب، أو ليشبع فضوله كما كان يحدث سابقًا، ولكن لكي يصور الحادث بكل تفاصيله، صورًا ثابتة ومتحركة.

وينشرها بعد ذلك بين أصدقائه، دون أي إحساس بحرمة الميت الذي يلفظ أنفاسه الأخيرة أمام حشد من كاميرات الهواتف النقالة التي تجمّع أصحابُها حوله ليظفروا بتسجيل هذه اللحظات، في غياب لكل ما يمكن أن يستحضره هذا الموقف في النفس!

يبدو لي أننا مررنا بمراحل عدّة حتى وصلنا إلى هذه الدرجة من عدم الإحساس، الأقرب إلى التبلّد، إذ لا أتصور أن شخصًا عاديًا -مدنيًا وليس عسكريًا- كان بإمكانه قبل عشرين سنة مثلا أن يرى مشهد قتل بالرصاص دون أن يشعر بوخز في داخله، أو بآلام تعتصره.

وقد يقوم بتلقائية بتغطية عينيه بكفّيْه بشدة ليتجنب رؤية منظر قد يلاحقه أيامًا، ويحرمه من الأكل والنوم والعمل براحة، ولكننا الآن نستطيع أن نشاهد ذبحًا من الوريد إلى الوريد، وتمثيلاً، وتشويهًا، ونحن نمارس حياتنا طبيعية دون أدنى تأثر، وكأننا أصبحنا جثثًا متحركة، خالية من كل إحساس.

قبل أيام، جاء على لسان الملحق الثقافي للقنصلية الفلسطينية، في سياق خبر نشرته إحدى الصحف المحلية عن عدم تفاعل الجمهور مع البرنامج الذي أُعِدّ لإحياء ذكرى نكبة فلسطين الأسبوع الماضي قوله: «لقد أصيب الجمهور بالبلادة الحقيقية تجاه ما يراه يوميا من مشاهد القتل والدمار والتخريب فلم يعد يحرك ساكنا».

وكأنه في هذا يشير إلى أن حالات القتل والذبح والتمثيل بدأت تأخذ شكل العادي والمألوف لدى شعوب العالم العربي، سواء منها تلك التي تقع تحت نير الاحتلال، أو التي تصلها تفاصيل الواقع اليومي للشعوب العربية المحتلة بكل دقائقها عبر القنوات الفضائية المختلفة.

لقد تبلّدت مشاعرنا حقًا، وأصبح غير الطبيعي مألوفًا عندنا، ولكن هذا الوضع ليس صحيًا ولا صحيحًا، وعواقبه لن تكون في صالحنا، لأننا إذا فقدنا أحاسيسنا سنفقد إنسانيتنا.

وهذا يعني أننا نفرط بأهم رباط يربطنا بالعالم من حولنا، رباط الإنسانية الصرف، البعيد عن الجنسيات واللغات والأديان والأهواء، وهو أمر له أبعاد خطيرة كثيرة إن حدث، ولهذا يجب أن نهتم بهذا الجانب أكثر، وأن نفكر في كيفية إيقاف التأثير السلبي لهذه الأخبار -المنقولة بالصوت والصورة- علينا وعلى أبنائنا.

وعلى تكوينهم النفسي وملامحهم الإنسانية، وأن نفعل كل ما بوسعنا لكي نوقف زحف حالة التبلد التي بدأت تسري بينهم وبيننا دون أن نشعر بها، وليدرك أبناؤنا أن الوضع الطبيعي للإنسانية مغاير تمامًا لما هو قائم في الواقع.

جامعة الإمارات

sunono@yahoo.com