في شهر يوليو المقبل يحل الموعد الذي ينتظره قادة الدول الصناعية في العالم لكي يلتئم عقدهم في مدينة تاريخية ومعاصرة هي بطرسبرغ، عاصمة قياصرة آل رومانوف وقاعدة إمبراطوريتهم التي كانت تمتد من أواسط آسيا وعبر جبال الأورال إلى شرق القارة الأوروبية وربما لم يمض سوى بضعة عشر عاما لا تزيد على استعادة بطرسبرغ اسمها الكلاسيكي القديم ـ مدينة بطرس نسبة إلى القيصر الروسي بطرس الأكبر (1672-1725).

الذي يعد الأب الشرعي لكيان روسيا الحديثة.. وذلك بعد أن ظلت المدينة تحمل اسم ليننجراد - مدينة لينين نسبة إلى الزعيم الشيوعي الذي قاد الثورة البلشفية ورحل عن الدنيا قرب عام 1924.

وقد أحسن قادة مجموعة الدول الثماني وهو اسم هذا الفريق الذي يضم أكثر دول العالم تقدما وأشدها نفوذا عندما اختاروا الحاضرة الروسية مكانا لاجتماعهم.. فالصيف في طقسها الشمالي لطيف ورقيق، والدولة الروسية ذاتها آلت إليها مقاليد رئاسة هذه المجموعة مع بداية عام 2006، وما زالت قيادة الكرملين تبذل جهودا متواصلة وحثيثة لإنجاح هذا الاجتماع المرتقب.

وهو ما دفع الرئيس فلاديمير بوتين إلى إصدار رسالة أذيعت مؤخرا بوصفه رئيس الاتحاد الروسي إلى كل من يعنيه الأمر في العالم - وفي أوروبا الغربية وأميركا على وجه الخصوص - يؤكد فيها أن المسألة ليست استعدادات احتفالية أو بروتوكولية بقدر ما أنها تحضير لإجراء زمناقشات جادة ومحادثات مشتركة بشأن تحديد الأولويات ومجالات العمل المهمة.. من أجل التصدي للتحديات التي ما برحت تواجه عالمنا على مدى أكثر من 30 عاماًس.

وتمضي رسالة الرئيس بوتين لتحدد بنود الأولوية الرئيسية التي تتصدر في رأيه أجندة اجتماع الزعماء الثمانية في بطرسبرغ. وهذه البنود مرتبة حسب أهميتها على النسق التالي:

أولا: أمن الطاقة العالمي، ثانيا: مكافحة الأمراض المعدية، ثالثا: تطوير جودة التعليم.

وبديهي أن لا يختلف المحللون السياسيون بالنسبة للبندين الثاني والثالث.. فمن ذا الذي يرفض، أو يجادل مثلا بشأن الأهمية الحيوية لمكافحة الإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية المرتبط بيولوجيا بوباء الإيدز، خاصة وأن إصابات هذا المرض اللعين الفتاك لم تعد تختص بها أفريقيا وحدها، بل أثبتت آخر الإحصاءات في شهر مايو الحالي أن ثمة حالات من الإصابة في قارة آسيا تجاوزت مثيلاتها في قارة أفريقيا جنوبي الصحراء.

ومن ذا الذي يماري في أهمية ترقية التعليم في عالم أصبح أكثر ترابطا إلى حد التواصل الكوكبي (الغلوبالي) ما بين سواتل الأقمار الاصطناعية في السماء إلى شبكات وأجهزة الحواسيب الإلكترونية فوق الأرض. بيد أن قضية الطاقة هي الموضوع الأخطر والأكثر إثارة للجدل والنقاش والاختلاف، ومن المتوقع أن تكون كذلك بالنسبة لاجتماع روسيا المرتقب.

سواء كانت مطروحة في إطارها الكامل وبقدر من الشفافية المعقولة فوق مائدة اجتماع الزعماء، أو كانت مطروحة - وهذا هو الأرجح في رأينا - من تحت الطاولة وموضعا لمخططات حثيثة وخبيئة لا تدل عليها سوى تصريحات أقرب إلى الغمغمة وإيماءات وربما أحابيل سياسية وتحركات من خلف الكواليس.

لقد توقف المراقبون مثلا عند تصريحات ديك تشيني نائب الرئيس الأميركي لدى زيارته لعدد من دول بحر البلطيق ثم زيارته إلى دولة كازاخستان وهي كما نعلم من جمهوريات آسيا الوسطى المسلمة (السوفييتية سابقا). في تلك الزيارة التي تمت في أوائل مايو الحالي، استرعت الاهتمام تلك الانتقادات التي عمد تشيني إلى توجيهها بشأن نقص الممارسة الديمقراطية في روسيا..

ولكن المسئول الأميركي ما لبث أن ألحقها بتصريحات أوضحت الدافع المتبقي لهذه الانتقادات وأنها - كما نتصورها - لم تكن مرثية من قلب واجف وحريص على أن يستمتع الأصدقاء - الرفاق الروس بالثمار الديمقراطية بقدر ما كانت تجسد ضغطا أميركيا على موسكو في معرض الرد على الضغط الروسي على واشنطن - أما هذا الضغط المتبادل فكان محوره بشكل مباشر هو قضية الطاقة - النفط والغاز على وجه الخصوص.

من هنا، فبعد أن حطت طائرة تشيني في مطار «أستانا» عاصمة كازاخستان، وفي غمار اجتماعاته مع رئيسها نور سلطان نزارباييف انتقد تشيني أيضا موسكو لأنها تستخدم النفط والغاز الطبيعي في رأيه أدوات للتخويف وللابتزاز.

وفي هذا الخصوص يعلق الكاتبان الأميركيان ألان جرينبورغ واندرو كرومر (نيويورك تايمز 6/5) بأن السيد تشيني انغمس في وهدة مضطربة من الصراع الجيويوليتيكي - صراع السياسة والجغرافيا من أجل تأمين إمدادات الطاقة ومحاولة إيجاد مواقع للنفوذ في تلك الأقطار السوفيتية السابقة التي تسارع في خطاها لكي تصبح إحدى أكبر مناطق إنتاج النفط في العالم.

والمعروف أن لعبة الشد والجذب بين واشنطن وموسكو ما زالت متواصلة.. فالروس يطورون إنتاجهم من النفط ويتحدون - حتى تاريخه على الأقل - موقفا مؤيدا، ولو على نحو نسبي، في صف إيران، وخاصة على صعيد مجلس الأمن الدولي الذي تطالبه أميركا بفرض عقوبات ضد - نووية على طهران..

والأميركان من جانبهم - كما تؤكد نيويورك تايمز أيضا - يلمحون إلى زالجهود المبذولة في واشنطن لإضعاف قبضة موسكو على مقاليد توابعها السابقات في وسط آسيا وذلك من خلال دعم وتشجيع وطبعا تمويل بناء شبكات للنقل والشحن والتوزيع التي تحمل إمدادات النفط من منابعها في آسيا الوسطى إلى موانئ البحر الأسود أو إلى خطوط الأنابيب الموصلة إلى أوروبا، وكل هذا يمر حاليا وبالضرورة عبر الأراضي الروسية.

ليس معنى هذا أن يصل الطرفان، النسر الأميركي والدب الروسي إلى مفترق طريق أو إلى مواجهة قد تفضي إلى صراع، إن مراقبي مشهد علاقات الطرفين يحمدون للرئيس بوش تصريحاته خلال لقائه في آخر مارس الماضي مع أعضاء «فريدوم هاوس» وهي إحدى منظمات المجتمع المدني الأميركي المعنية - كما يدل على ذلك اسمها - بقضية الديمقراطية في العالم يومها تحدث المجتمعون عن احتمال مقاطعة أميركا اجتماع بطرسبرغ الذي ألمحنا إليه مما قد يقوض هذا اللقاء السوبر المهم بين قادة الدول الصناعية الغنية.

وهو ما ينال بالتالي من مكانة الرئيس بوتين داخل بلاده وخارجها.. ولكن في نفس الاجتماع رفض السيد بوش فكرة مقاطعة الاجتماع المذكور على أساس أن مثل هذه الاجتماعات تشكل ساحة مفيدة لبناء ما وصفه بأنه توافق بين الآراء ومؤكدا أنه لا يزال بحاجة إلى علاقة شخصية (بمعنى التقارب الحميم) مع الرئيس الروسي بوتين.

ورغم الدبلوماسية الواضحة في تصريحات الرئيس الأميركي - مقارنة على الأقل مع تصريحات نائبه التي أشرنا إليها - فإنها تشكل في التحليل الأخير مسارا نراه رشيدا بالنسبة لمصلحة العالم - في سياق السياسة الأميركية خاصة حين نعلم أن الكونجرس الأميركي طرح تشريعا غريب الأطوار في العام الماضي يحثّ الرئيس الأميركي على وقف عضوية روسيا في مجموعة الدول الصناعية الثماني رهنا بعودتها إلى مواصلة الإصلاحات الديمقراطية..

وقد يفيد في هذا السياق أن نلاحظ أن هذا التشريع الذي يتدخل في صميم شئون دولة لها وزنها مثل روسيا جاء محصلة صياغة واتفاق مشترك بين اثنين من كبار أعضاء مجلس الشيوخ يعدهما متابعو الشأن البرلماني في واشنطن من عقلاء الساسة أولهما السناتور الجمهوري ماكين (وهو مرشح مرتقب في الانتخابات الرئاسية القادمة).

أما الثاني فهو السناتور الديمقراطي - اليهودي جوزيف ليبرمان الذي يصفونه بأنه الديمقراطي (المعارض) المفضل لدى الرئيس (الجمهوري) جورج بوش نظرا لسابقة تأييده لشن الحرب على العراق وهو أمر ما زال يكلفه الكثير من الرصيد السياسي على نحو ما أشير إليه مؤخرا (نيويورك تايمز في 19/5).

لا يفوتنا أخيرا أن نطالع سطور البحث الذي نشره الكاتب أيلان بيرمان رئيس تحرير مجلة شؤون الأمن الدولي (عدد ربيع 2006 الصادر مؤخرا) ضمن محور بعنوان «مطلوب إعادة التفكير في روسيا». والبحث يتعرض لما يسميه التعامل مع محور موسكو - طهران ويخلص فيه كاتبه إلى محصلة يقول فيها: إن دور روسيا الجديد كرئيس لمجموعة الدول الثمان، والحوار الدبلوماسي المتنامي بينها وبين الاتحاد الأوروبي يفرض على الكرملين ضرورة تغيير موقفه نحو إيران.

من ناحيتها تحذر «الإيكونومست» البريطانية من إشهار أسلحة التهديد السافرة بوجه روسيا سواء بمقاطعة اجتماع يوليو أو بإعاقة انضمامها عضوا في منظمة التجارة العالمية، لأن التفاهم والتفاعل، في رأي المجلة الإنجليزية، هو السبيل الأفضل لأوروبا وأميركا.. أو على نحو ما تعبر به «الإيكونوميست» على طريقة التهكم الإنجليزي التقليدي فنقول:

- في جميع الأحوال علينا أن نتعلم كيف نتعايش مع الدب (الروسي).

كاتب مصري