دار حديث طويل امتد لساعات بيني وبين صحافي شاب من وكالة الصحافة الفرنسية، وكعادة هذا النوع من المراسلين قليلي المعرفة والخبرة بكيمياء المكان وتاريخه وناسه فإن الصحافي كان يطرح أسئلته على طريقة يحكى أن، ويقال أن، ويشاع أن، وتتناقل وسائل الإعلام أن.
. وهكذا، هذا لا يعني أنه غير متابع أو أنه غير راصد للظاهرة التي يبحث فيها، لكنه يبحث على طريقة البحث عن عدة إبر في كومة قش كبيرة، فالموضوع كبير وواسع ويحتاج إلى بحث عميق، وحوار علني.
محاور الحديث كانت متعددة وكانت تدور كالعادة حول التركيبة السكانية، موقف الإماراتيين من الطفرة العمرانية الحاصلة، الانفتاح ومدى تقبلهم كشعب محافظ له، الديمقراطية والإصلاح.
وأخيراً الموقف من العمال وهذه اعتبرها بالفعل عقدة العقد لدى الوكالات الأجنبية ومراسليها، والمنظمات الغربية ونشطائها، وكأن الغرب واحة حق مطلق للمظلومين والفقراء والعمال!!
توقفت طويلاً عند سؤال بدأه بالعبارة التالية... يلاحظ من بعض الكتابات الصحافية، و التحقيقات والبرامج، والإذاعات، أنكم في الإمارات لديكم موقف عدائي من الآخر الوافد (الأجنبي يقصد).
ولذلك فإنكم تعبرون عن ذلك باعتزاله والبعد عنه وتأكيد خصوصيتكم وتميزكم عليه، لذلك صنفتم الإذاعات إلى عربية وخليجية، ووضعتم برنامجاً وطنياً يعزز انتماءكم أنتم كإماراتيين للإمارات بعيداً عن الآخرين وصرتم تصرون على موضوع التوطين والتوظيف..!
ولم أتعجب من سؤاله، فلقد قيل لي كلام مشابه كهذا من قبل، والخطأ هنا ليس فينا كإماراتيين نحاول تأكيد خصوصيتنا وهويتنا فحتى أعتى شعوب العالم قوة وعدداً وسكاناً كفرنسا والولايات المتحدة وألمانيا وغيرها تعيش الفزع ذاته والقلق نفسه إذا أحست بخطر أياً كان حجمه يقترب من هويتها ولغتها وخصوصيتها من قبل المهاجرين..
ولم يقل أحد إن فرنسا وهي تتحزب لصالح لغة موليير انها عدائية، كما لم يوجه أحد أي انتقاد للولايات المتحدة التي تعيش قلقاً على لغتها تناقشه بصوت عالٍ تحت قبة الكونغرس.
فما الخطأ في أن نقلق نحن الذين نرى أنفسنا نتلاشى وسط طوفان الوافدين، الذين صاروا هم الأكثرية، وصارت هوياتهم ولغاتهم وعاداتهم وممارساتهم هي الطاغية، بينما تأخرنا نحن إلى آخر القائمة وتحولنا إلى أقلية!!
الإماراتيون ليسوا عدائيين على الإطلاق، فهم أكثر شعوب الأرض طيبة وكرماً وتعايشاً مع الآخرين بانفتاح ومحبة وتقبل، لكن هؤلاء الإماراتيين كغيرهم من شعوب الأرض لهم خصوصية ولغة ودين وثقافة تميزهم وتطبعهم وتمنحهم هويتهم التي يعتزون بها.. فما الخطأ في أن يحافظوا عليها ويتنادوا لحمياتها؟ لماذا يشكل ذلك غضباً للبعض؟؟