استغرقت مفاوضات تشكيل الحكومة العراقية أشهر عدة، حدثت فيها مناوشات وضغوط وتدخلات خارجية وتراجعات على النحو الذي دفع مراقبين كثيرين للقول إن هناك خللا ما في السياسة العراقية يستوجب اصلاحه حتى تصبح في هذه الدولة العربية ممارسة ديمقراطية حقيقية.
وهناك تفسيران متناقضان لهذه الأزمة السياسية العراقية الأول يرى أن هذا الأمر وتطوراته يعبر عن تحول العراق تجاه الممارسة الديمقراطية الحقيقية التي لابد وان تعبر الحكومات عن توافق بين القوى السياسية الرئيسية.
وما جرى في العراق يتشابه مع ما يحدث في دول عريقة في الديمقراطية والتي يستغرق تشكيل الحكومات فيها عدة أشهر أيضا، ومنها على سبيل المثال لا الحصر ألمانيا التي استغرق تشكيل حكومتها الأخيرة شهورا أيضا، وايطاليا قبل ثورة الأيادي البيضاء التي كان تشكيل الحكومات فيها يستغرق عدة أشهر أيضا.
وكان متوسط عمر الحكومات فيها آنذاك تسعة أشهر فقط، بما يعبر عن عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي. وتركيا قبل وصول حزب العدالة والتنمية كان تشكيل حكوماتها يستغرق فترة طويلة ولا يتم إلا بعد ضغوط تمارس من قبل المؤسسة العسكرية على الأحزاب فيها من اجل الموافقة على تشكيل حكومات ائتلافية.
ويقول أصحاب هذا التفسير إن الوقت الطويل الذي يستغرقه تشكيل الحكومات هو سمة رئيسية من سمات الديمقراطيات التعددية التي لا يوجد فيها حزب واحد مهيمن أو حزبان رئيسان يتوليان التناوب على الحكم كما هو الحال في كل من فرنسا وبريطانيا وغيرها من الدول الديمقراطية.
وحال العراق تشبه إلى حد بعيد حال كل من ألمانيا وايطاليا التي يمور فيها المجتمع بالتصورات الفكرية والمواقف السياسية،ولكن العراق يفوقها من ناحية وجود أحزاب على أسس مذهبية وأخرى على أسس أثنية عرقية بما يزيد من حجم الانقسام في المجتمع ويتطلب المزيد من الجهد والحكمة لدى الأطراف المختلفة من اجل التوصل إلى صيغ توافقية ترضي معظم الأطراف وليس كلها بالطبع.
ويدلل أصحاب هذا التفسير على صحة موقفهم بأن الضغوط التي بذلت هدفت إلى إيجاد صيغة توافقية ترضي القطاع الأكبر من الأطراف العراقية. فأزمة رئاسة الجعفري للحكومة التي انتهت إلى تنازله وحزبه لمصلحة رئيس وزراء آخر أصبح هو جواد المالكي، أدت في النهاية من وجهة نظرهم إلى أمرين:
الأول أن يتولى منصب رئيس الوزراء شخصية متوافق عليها من الأطياف السياسية كافة المشاركة في الحكومة بما يؤدي إلى تحسين أداء الحكومة ذاتها بالنظر إلى أن التمسك بالجعفري لو كان قد نجح وشكل هو الحكومة فإن قدرا من اهتمامها كان سينصب في الخلافات بينه وبين الوزراء المشاركين معه وتتحفظ أحزابها علية بما لا يكون في النهاية لصالح المواطن العراقي.
أما الأمر الثاني فهو تطبيق تداول السلطة وتناوب شخصيات أخرى على الحكومة بما يعني في النهاية ترسيخ مبادئ التغيير والتداول في الثقافة السياسية العراقية وبما هو في النهاية لمصلحة العملية السياسية والتجربة الديمقراطية في العراق. ويرى أنصار هذا التفسير.
إضافة إلى ذلك أن هناك ايجابيات لا يمكن إنكارها للتأخير في تشكيل الحكومة العراقية لعل في مقدماتها أن قدرا من الوقت انصب على محاولات إدخال قطاعات من السنة فيها؟
وهو ما يعني إشراك اكبر قدر ممكن من فئات المجتمع العراقي فيها، وهذا الأمر بالذات يعني عزل القطاع السني الذي ما زال يمسك بالسلاح لأنه أصبح هناك بديل واضح للتمرد .
وهو أن تكون في الحكومة وتناضل لتنفذ برنامجك من داخل العملية السياسية التي ثبت بإصرار أطرافها على إشراك السنة أنها لا تسعى لاستبعاد طرف من الأطراف عن العملية السياسية ولكن كل طرف يجب أن يشارك وفقا لوزنه السياسي والعددي كما هو مطبق في معظم الديمقراطيات العريقة.
على الجانب الآخر هناك تفسير متشائم في مواجهة التفسير الآخر المتفائل الذي سبق لنا الإشارة إليه. وهذا التفسير يرى أن التعسر الذي شهدته عملية تشكيل الحكومة العراقية إنما هو دليل على عدم ثقة الأطراف العراقية بعضها ببعض وان لكل طرف جدول أعمال يتناقض مع جدول أعمال الأطراف الأخرى بما يعني أن إمكانية التعاون والتوافق بينها ليست قويه.
ويدلل أنصار هذا التفسير المتشائم على رغبة الأطراف كلها أن يتولى منصب وزراء الدفاع والداخلية والبترول شخصيات منها وهو ما يعني أنها تريد أن تستأثر بأسباب القوة المادية أو الاقتصادية لمصلحتها بما يعني أنها تريد تحقيق مزايا على حساب الأطراف الأخرى وهو الأمر الذي لا يبشر بخير بالنسبة لمستقبل العراق.
ويقول أنصار هذا الرأي إن الدليل على وجود أجندة خفية لدى أطراف المعادلة العراقية إن الأكراد تمسكوا بأن يتولى احد منهم منصب وزير البترول وهو ما يعني أنهم يريدون تأسيس البنية التحتية والأرضية الاقتصادية لدويلة ينوون تأسيسها في المستقبل بما يعني إمكانية تقسيم العراق في ظل هذه الظروف ووفقا لهذه المعادلات غير المستقرة .
والتي تحكمها عقدة الشك بين الأطراف المختلفة داخل العراق. وهذا الأمر ينطبق أيضا على إصرار باقي الأطراف بأن تكون وزارات الداخلية أو الدفاع من نصيب أعضائها.
وهو ما يؤكد في النهاية وفقا لأصحاب هذا التفسير، إن التوافق بين الأطراف العراقية المختلفة مازالت تقف دونه عقبات كثيرة قد تؤخر سيادة الظروف المطلوبة لرحيل القوات الأجنبية عن العراق. وبما يعني أيضا أن الاستقرار السياسي المنشود في العراق مازال يتطلب وقتاً طويلاً لكي يتحقق.
كاتب مصري
