هل هناك علاقة أكيدة ما بين تبدل المناخ والتبدل الفكري؟
كلنا متفقون على أن للمناخ أثراً كبيراً على النشاط الذهني والنشاط البدني. ولكننا لم نعرف بعد ان كان هناك رابط ما بين حالة الطقس وحالة الفكر إلا من خلال النشاط الذهني. والفكر يشمل بالطبع طريقة التفكير والسلوكيات، ولو أن العلماء منقسمون حتى الآن على مدى تأثير الطقس الحار والبارد على مستوى التفكير إلا بنسب محدودة جدا.
فالعرب رغم قساوة الظروف المناخية والطقس الحار في الجزيرة العربية تفوقوا (في فترة ما من الزمن) أدبياً وفلسفياً وفكرياً وفي جميع المعارف العلمية على الشعوب الشديدة البرودة، بل ان تلك الشعوب تحضرت على أيديهم.
مع أن بعض الباحثين يرون اليوم أن الطقس البارد ربما يشكل واحدا من أهم أسباب تقدم الشعوب الأوروبية بشكل سريع بينما أدى الطقس الحار في افريقيا ومعظم بلدان الشرق الأوسط والأدنى إلى الخمول والكسل وبطء العمل الذي أدى بدوره إلى التأخر في كافة المجالات مقارنة بالدول الأوروبية.
وهناك من يعارضهم بالقول ان حضارات الشرق من الصين إلى الهند إلى بلاد العرب سبقت بآلاف السنين حضارة الغرب رغم الطقس الحار. وفي الوقت الحاضر بعد ركود طويل عادت الصين والهند وإيران مثلا إلى منافسة الدول الأوروبية في التقدم التقني.
واليوم يطرح الكثيرون السؤال التالي: إذا كان للطقس دور يذكر في تقدم أو تأخر الشعوب ارتباطا بتأثيره على النشاط الذهني وطريقة التفكير، فهل ستؤدي التغيرات المناخية في أوروبا والتي بدأت منذ الثمانينات تتصاعد حرارتها وتستعين بمكيفات الهواء والتي تعود أسبابها إلى الاحتباس الحراري والتلوث الصناعي سيؤدي بدوره إلى تراجع التقدم العلمي نتيجة خمول وبطء القدرات الذهنية؟
وحيث ان التقدم الفكري تولد عنه أو زامنه منذ عهود الفراعنة والإغريق والرومان والعرب التقدم الحضاري وبناء الدولة الحديثة وتركيبة المجتمع المتحضر (خاصة عند اليونانيين الذين يمكن اعتبارهم أول الشعوب المتحضرة ديمقراطيا).
فهل ستعود الشعوب الأوروبية إلى بدائية تركيبة مجتمعاتها وعهود ما قبل التقدم الصناعي والحضاري لتصل إلى ما كانت عليه في العصور الوسطى أو ربما العصر البرونزي أو الحجري؟
فإذا صحت نظرية تأثير المناخ على التشكل الذهني والفكري والحضاري للشعوب فهذا يعني أن الدول الأوروبية مع استمرار ازدياد حرارة الطقس لديهم سيصبحون تدريجيا دولا متخلفة وسيلغى النظام الديمقراطي لديهم ويعود نظام الاستبداد ليحكمهم من جديد وتشتعل الحروب الدينية والطائفية كما هو الوضع لدينا الآن أو ربما بصورة أسوأ! فمما لا شك فيه أن للطقس الحار أثراً واضحاً على نفسية البشر.
فنسبة الحوادث والاختلافات والنزاعات تزداد مع ازدياد حرارة الجو والعكس صحيح أيضا. وهذا يعني أن للمناخ أثراً على التوتر النفسي. وهذا بدوره له أثره المؤكد على طريقة التفكير.
إذن، فالتطور الصناعي الذي قام أساساً على التطور الاجتماعي في الدول الغربية سيكون هو بدوره وبطريقة غير مباشرة المسؤول الرئيسي عن التخلف الاجتماعي والفكري لدى نفس هذه الشعوب التي طالما احتقرت دول العالم الثالث ونظرت إليها نظرة دونية وقامت باحتلالها (تحت شعار الاستعمار) .
والتهمت مواردها (تحت شعار أمنها القومي والاستراتيجي) واتهمتها بأنها دول غير حضارية - أي غير ديمقراطية ويجب تعليمها أبجدية الأخلاق والحكم وتصريف الأمور.
ويؤكد بعض الدارسين على نظريتهم تلك اعتمادا على انتشار وتزايد نسبة الفضائح في الدول الأوروبية منذ ازدياد درجة الحرارة عن معدلاتها السنوية العادية. وهي ليست فقط فضائح صغيرة كما كانت تحدث في السابق بين رجال عاديين أو رجال أعمال وعصابات مافيا وتصفيات.
وإنما فضائح على مستوى رجال الحكم. فبوش تدنت شعبيته حتى آخر خبر أذاعته السي ان ان إلى 36% بسبب الاتهامات المتزايدة الموجهة إليه منذ توليه السلطة. فحتى الآن هناك حقائق ما زال يتم التكتم حولها متعلقة بأحداث الحادي عشر من سبتمبر.
وكذلك فضيحة دواعي الحرب على العراق وأسلحة الدمار الشامل الوهمية التي اتخذت حجة لتلك الحرب التي أودت بحياة الآلاف من الجنود الأميركيين في العراق مذكرة إياهم بحربهم الخاسرة في فيتنام.
وفضيحة التنصت أو التلصص على المكالمات الهاتفية والسجون الطائرة ومعتقل جوانتانامو الذي يتناقض ومبادئ الحرية وحقوق الإنسان. وكلها أدت إلى البحث عن كبش فداء لحفظ ماء وجه الرئيس. وغيرها كثير.
وبريطانيا هي الأخرى تعيش هذه الأيام فورة الفضائح المتلاحقة التي هزت سمعة توني بلير وزعزعت الثقة التي أولاها الناخبون لحزب العمال الذي خسر أكثر من 250 مقعدا من مقاعد المجالس المحلية بسبب انكشاف الكثير من مظاهر الفساد المالي لحزبه والأخلاقي لبعض وزرائه على مستوى قمة الهرم الحاكم (تحديدا فضيحة نائبه جون بريسكوت في علاقته بسكرتيرته.
وفضيحة وزير داخليته بتسريح آلاف السجناء الذين أصبحوا يجوبون شوارع بريطانيا بكل حرية) إضافة إلى الحقائق الأخرى المتعلقة أيضا بتدمير العراق.
وفرنسا ليست بأوفر حظا من اختيها. فهي منذ وقت ليس ببعيد تهزها الفضائح والقرارات غير الديمقراطية والتناقض الواضح بين المبادئ التي تنادي بها والممارسات التي تقوم بها (على سبيل المثال تفاخرها باستعمار الجزائر الذي خلف مليون شهيد من جانب الجزائر فقط بينما شعار فرنسا:
حرية، مساواة، أخوة يدعو إلى احترام حرية الآخر أيا كان وأينما كان) والممارسات العنصرية التي تفجرت على شكل ثورة مصغرة انتشرت بين ليلة وضحاها كالنار في الهشيم .
وكادت تحول فرنسا إلى جهنم بسبب الأعداد الكبيرة للمهاجرين المقيمين على أرضها. وآخرها فضيحة (كليرستريم) التي كشفت المستور عن مدى الصراع الدائر في الخفاء بين رئيس الجمهورية جاك شيراك ورئيس وزرائه دومينيك دوفيلبان ووزير الداخلية نيكولا ساركوزي لأجل كرسي الرئاسة في العام المقبل.
وقد أظهرت هذه الفضيحة مدى المنافسة غير الشريفة التي لا يعرف بعد من المذنب فيها ومن البريء، إلا أنها تكشف عن المستوى المتدني التي وصلت إليه حال الديمقراطية الأوروبية والذي تنذر إذا استمرت بزوالها تدريجيا.
ويبدو أن نظرية ارتباط المناخ بالفكر والحضارة والصناعة صحيح إلى درجة ما. فحسب رأي بعض علماء الطبيعة، فإن طقس الكرة الأرضية في حالة انعكاس.
أي أن الأجزاء الخضراء والباردة والممطرة من الكرة الأرضية ستتحول إلى مناطق جرداء حارة قاحلة بينما الأجزاء الصحراوية الحارة الجافة ستتحول في وقت قريب إلى جنان خضراء ومروج وأنهار وبرد شديد تماما كما كانت عليه قبل ملايين السنيين. وبذلك تتحقق نبوءة الرسول الكريم.
فهل التطور الاجتماعي والصناعي المتسارع في الصين والهند وإيران والتحول المتدرج إلى الديمقراطية في بلدان الشرق الأوسط تزامنا مع بدايات انحلال الديمقراطية والأخلاق والفكر في أوروبا دليل على صحة تلك النظرية الطبيعية الإنسانية؟ لا أحد يعلم غير الله.
جامعة الإمارات
dralabodi@gmail.com