أكثر ما يغيظ ويغضب التجار وأصحاب الامبراطوريات العمالية الكبيرة الكلام في التركيبة السكانية وتأثيرات العمالة الاجتماعية والثقافية، فهؤلاء لا يفكرون إلا بعقولهم التي أقفلت صواميلها على جانب واحد هو الاستثمار وجني الأرباح وتكبير الامبراطورية والاستحواذ على المشاريع الكبرى، وهذه هي الحجج التي تعطيهم هرمونا خاصا مضادا لأي هاجس من خوف أو قلق على هوية البلاد هوائها ومائها وخصوصياتها.
فهذه الأمور هي همنا نحن الذين لا ناقة لنا في الأمر كله ولا جمل، نحن الذين نتفرج يوميا على طوابير مئات الآلاف من العمال الذاهبين والقادمين الى اعمالهم والمتسكعين في الطرقات في أوقات الراحة، الأمر الذي يحول الهواء والماء والتراب إلى ترنيمة واحدة هي في الأصل خارجة بالكامل على المعزوفة الطبيعية للهواء والماء والتراب الطبيعي للوطن.
لهذا حينما نقول إن التركيبة السكانية تؤلمنا في خصوصيتنا وفي هويتنا الثقافية وتحيل بلدنا إلى بلد آخر يلبس قناعا لا يمت لنا بصلة، نكون قد خرجنا عن إطار التفكير السليم والمنطقي وصرنا في النظر هوائيين متقلبين وانطوائيين وشوفينيين وارانب تخاف من ريش الدجاج إذا ما طار بالقرب منها.
وإننا لا نعي تماما ما أهمية ان يكون عندنا ملايين من العمالة من اجل تلبية مشاريع البناء والنمو الكبيرين.. وبصيرتنا لا تأخذنا مثلما تأخذ من أيديهم في السوق والعمل إلى المدى الواسع. لكننا نقول أيضاً انه حتى ولو.. يبقى ان تحدث العاقل بما يعقل، فنحن نعلم ان كل هذه المشاريع لن تدار بإصبع واحدة، وإلا كان ذلك معجزة تفوق المعجزات..
ولكن التركيبة السكانية، وتأثيرات العمالة، لهما أيضاً أسئلتهما الخاصة والمتعلقة بهما. فلماذا لم يفكر احد حتى الآن في تلوين الرقعة بألوان زاهية.. ماذا عن التعريب العمالي؟ ماذا عن التخليج وهو الأقرب؟
أليس من المنطقي ان تتم معادلة الأشياء لكي نأمن على الهوية والتفاعل الثقافي وينبض شارعنا بعروبته بدلا من نبضه الحالي؟
ما الذي يمكن أن يحدث لو أن مليونا هو نصف عدد العمالة تقريبا والتي تنسحب على «ماية واحدة» قابلها مليون من «ماية العرب والخليجيين»؟
المعادلة، وكل عارف بالأمر، سيعرف انها ستذهب لصالح التوازن الاجتماعي والثقافي والتوزان الأمني أيضاً.
لماذا لا يفكر أصحاب امبراطوريات العمالة في خلق مثل هذا التوازن؟ اقرب اجابة صريحة ستقول لك المسألة برمتها متعلقة «بالدرهم المنقوش» لا «بالعزائم»!!
أصحابنا ما يبغون يكلفون أنفسهم دفع درهم زيادة لوقاية الهوية والخصوصية والمحافظة على مستقبل امن البلد، وهاي هيه المصيبة.
أصحابنا يبغون يهبشون بأسرع وقت ممكن.. أما المستقبل فستكفله لهم الأرصدة المكنزة في البنوك العالمية.. وينضرب بالحائط كل قلب موجوع على الحال والأحوال.
الآن هناك خبر يقول إن شركة وطنية مساهمة ستعوضنا عن مشاكل مكاتب جلب الأيدي العاملة.. هذا جميل إذا ما ذهبت الشركة في تفكيرها ناحية التوازن لا ناحية توفير الدراهم!