أغلب الموظفين الشباب الذين يتحدثون إليّ يشتكون من مديرهم المباشر أكثر مما يشتكون من القوانين وضغوطات العمل الأخرى، أغلبهم يجمعون على أنه لا يثق في قدراتهم ومستوى عطائهم، وبأنه أكثر ثقة بالأجنبي والوافد.
وهذه ليست مجرد إشكالية إدارية تعاني منها الإدارة، إنها كارثة حقيقية نتيجتها معروفة تماماً: استمرار التخلُّف والتأخر تماماً كما جاء في كتاب «رؤيتي» لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم.
يقول سموّه في الفصل الرابع من الكتاب، والذي جاء تحت عنوان «الإدارة»: «لو كانت الإدارة العربية جيدة، لكانت السياسة العربية جيدة ولكان الاقتصاد جيداً، والتعليم والإعلام والخدمات الحكومية والثقافة، والفنون وكل شيء آخر، إن لم يتطوّر الأداء الإداري والمفاهيم الإدارية في كل أشكال العمل ومستوياته فإننا سنظل في مكاننا، والمراوحة في المكان هي أقصر طريق إلى استمرار التأخر والتخلُّف والهزائم أيضاً..».
مؤخراً انتهيت من قراءة كتاب «رؤيتي»، وأثناء القراءة التقيت مجموعة من الشباب العاملين في قسم خدمات الحكومة الالكترونية ببلدية دبي، كانوا جميعهم من أبناء وبنات الإمارات الحاصلين على درجات علمية عالية في تخصص الكمبيوتر ونظم المعلومات، لكنهم كانوا أقرب إلى الشعور بالإحباط، لأن مأزقاً إدارياً يخنق إبداعهم وعطاءهم في العمل، يتمثل في انعدام ثقة المسؤول فيهم.
وبالتالي عدم حصولهم على ما يستحقونه من الترقيات والتشجيع والاهتمام الذي يفجِّر طاقاتهم وولاءهم للعمل والمؤسسة، وبدلاً من ذلك يذهب التشجيع والاهتمام والترقيات لغير المواطنين لعلَّة في نفس المسؤول تتمثل في ثقته المطلقة بغير المواطن!!
يقول أحد هؤلاء الشباب: «كيف يمكن للمؤسسة أن تضمن عطاء وولاء الموظف طالما هذا الموظف لا يشعر بإنصاف مؤسسته له، ولا يحظى بالتقدير المطلوب؟ خاصة حين يقارن نفسه وقدراته ومؤهلاته وجهده بغيره فيجد أنه أكثر عطاءً واجتهاداً ولكنه الأقل حظاً وحظوة!».
وحين عدت إلى رؤية صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد وجدت في الفصل السابع منها حديثاً عميقاً حول مبدأ التنقيب في العقول يقول فيه: «بعض القادة وصل إلى مرحلة لم يعد قادراً معها على أن يقول لمن معه: شكراً، بعضهم لا يعرف كيف يربِّت على كتف موظف ناجح .
ويقول: أحسنت، لقد فعلت شيئاً جميلاً تستحق عليه المكافأة، هل يعرف هؤلاء وقع الكلمة الطيبة؟ هل يعرف هؤلاء ما الذي يفعله التقدير؟
إنه يفجِّر طاقات الشباب، ويزيدهم عطاءً، ويدفعهم في طريق النجاح والإنجاز عشرات السنين، إن لم يكن طوال عمرهم، إنها وسيلة مجرَّبة ورخيصة التكاليف لكسب الولاء والإخلاص وزيادة الإنتاج».
حديث الشيخ في الكتاب، حديث بسيط سلس سهل الفهم والاستيعاب، لكنه يريد عقولاً منفتحة على الآخر، راغبة في الذهاب إلى المستقبل برغبة الإنجاز وعدم إلغاء الآخر الذي نعمل معه أو يعمل معنا، يعيش بيننا، ونعيش لأجله، ونتشارك معه حلم المستقبل.