كان الله في عون المواطن العربي الشريف.. المحب لأمته وهو يطالع الأخبار كل صباح أو مساء ليجد أن أغلبها سلبي ولا يسر النفس.

الأكثر إثارة للأسى ان موقفنا كعرب في أي جملة مفيدة هذه الأيام هو «المفعول به»، لم «يعربنا» أحد خلال الفترات الماضية في موقع «الفاعل»، وعندما نتخلى أحيانا عن موقع «المفعول به» فاننا نذهب إلى خانة «المجرور» أو «المكسور» أو «المضاف إليه».

تأملوا قليلا اللوحة العربية التي كانت مضيئة ذات يوم، لتجدوا ان تشوهات عدة قد طالتها.. بحيث صارت أقرب إلى السريالية ويصعب على أي ناقد تشكيلي أو تجريدي أو تعبيري فهمها، لأن«المصائب كما يقولون لا تأتي فرادى.

الأمم تصعد وتهبط، لكن معظم الأمم عندما تمر بفترات تأخر أو تخلف فإنها لا تستسلم، وعندما تهزم تسلي نفسها وتمنيها بأنها حاولت وفشلت، لكن الأمر يصبح مأساويا عندما تتعرض أمة للهوان كل لحظة في حين تتصرف باعتبارها منتصرة!.

وباستثناء نقاط ضوء قليلة في بقع متناثرة فإن حالنا من المحيط إلى الخليج صار أقرب إلى العبث، نظرة سريعة على النقاط الساخنة في امتنا تشير إلى أن استمرار الحال على ما هو عليه يعني أننا مقبلون على فترات أسوأ.

المفترض أننا كعرب أكثر طرف معني بالملف النووي الإيراني، لأننا ببساطة سوف ندفع الثمن في معظم الأحوال.. إذا امتلكت إيران الأسلحة النووية سنكون تحت رحمتها شئنا أم أبينا، وإذا تصرفت الولايات المتحدة بحماقة ـ كعادتها ـ فسوف نجد أنفسنا مثل العشب الذي يدفع ثمن صراع الأفيال عليه..

رغم هذا الوضوح فإن الموقف العربي يتعامل مع المسألة وكأنها مجرد صراع بين موزمبيق والسويد، هناك مواقف عائمة، وأخرى تظهر عكس ما تبطن، وثالثة تراهن على الزمن كالعادة لحل المشكلة، ورابعة تؤيد أميركا ضد إيران.

وخامسة تؤيد طهران ضد واشنطن، وباستثناء بعض المواقف الجادة القليلة، فإن الموقف العربي الرسمي يبدو للأسف مزرياً.. كان الأولى بالبلدان العربية بلورة موقف واضح ومعلن من الملف، موقف يراعي الأمن القومي العربي، كان الأولى بنا من البداية أن نسعى لامتلاك التكنولوجيا النووية سواء للأغراض العلمية وتوليد الطاقة.

أو استخدامها وقت الحاجة لردع عدونا الأول والرئيسي وهو إسرائيل، لكننا لسوء الحظ لم يعد لدينا سوى اسطوانة مشروخة نكررها كل لحظة بملل حينا وبلاهة أحياناً وهي ضرورة «إخلاء المنطقة من أسلحة الدمار الشامل»، لم يسأل مرددو هذه الاسطوانة أنفسهم: وماذا سيفعلون طالما أن إسرائيل ترفض هذه الدعوة؟

في العراق، هذا البلد العربي العظيم والكبير يضيع أمام أعيننا، ويتم تقسيمه علناً، وطاحونة الحرب الطائفية تلتهم عشرات العراقيين يومياً، ونحن نكتفي بالفرجة حيناً، وبيانات الشجب والإدانة أحياناً، ولا يدري معظمنا أن ما يحدث سيؤثر على كل بلد عربي، ولا يستفيد منه سوى الصهاينة وعصابة المحافظين الجدد، وبعض الطائفيين ضيقي الأفق، لا نلمس أي دور عربي إيجابي وفعال، لا نلمس ولا نرى شيئاً يطفئ الحريق أو حتى يمنع تمدده وانتشاره في الجوار.

في السودان، وبعد أن أدمنا لعبة التفرج على ما يحدث ها نحن ندفع الثمن الآن.. غبناً عن التأثير فدخلت أميركا وبعض الدول الأوروبية والأفريقية...

والنتيجة انه رغم قبول الحكومة السودانية لكل المطالب الغربية تقريباً سواء في أزمة الجنوب أو في الأزمة الراهنة في دارفور، فإن الولايات المتحدة المتنمرة على البترول الواعد هناك وحصار مصر تفرض كل يوم شروطاً على الخرطوم.

وتحول مجلس الأمن إلى أداة لتحقيق مآربها، وقد لا يتأخر يوم لسوء الحظ لنرى فيه السودان مجموعة من الدويلات ـ الجنوب والشرق والغرب على أن يكتفي العرب بدويلة صغيرة في الخرطوم على غرار ما يخطط لهم بدولة صغيرة في بغداد بعد فصل الجنوب والشمال.

انشغلنا عن سوريا وتركناها فريسة للولايات المتحدة وفرنسا وانتهى الأمر بأن أصبح الغرب عبر مجلس الأمن هو الذي يحدد علاقات سوريا بلبان، وهو الذي يرسم الحدود، بحيث يصب الأمر في النهاية في المصلحة الصهيونية فقط.. كان أولى بنا أن ننقذ سوريا ليس فقط من المتربصين بها، بل من بعض عنادها وبعض سياساتها غير الصحيحة أحياناً.

تلك هي صورة سريعة للمشهد العربي الراهن.. في كل مرة نحن مفعول به.. المرة الوحيدة التي نتحول فيها إلى «فاعل» هي عندما تمارس بعض الحكومات بلطجتها على شعبها.. هي حكومات «نعامة» مع العدو في الخارج، لكنها «أسد» على شعبها، تقمع حريته، تسرقه، تزور إرادته تعادي قضاءه النزيه.

وعندما يحتج جزء من هذا الشعب على الفساد والسرقة والمحسوبية وتأميم البلاد لمصلحة حفنة من الأشخاص، يتم سحله في الشوارع وركله بالأحذية، وهتك عرض الفتيات والنساء الشريفات والشباب البريء الذي لم يفعل شيئاً سوى حب بلده.

emadiraqi @yahoo.com