من الأهداف الأولى للاعتقال السياسي تنحية الرأي الآخر عن الحياة السياسية وإقصاؤه وسجنه تمهيداً لاجتثاثه وإبقاء المجتمع تحت ظل أحادية الرأي وإلغاء التعددية التي تشكل أساس العلاقات الجدلية بين الأفراد وتغني الحوار .

وتسلط الضوء على نقاط الضعف في كل رأي مطروح وتحرم المجتمع من التعمق في الاطلاع على الثغرات في حياته السياسية والاقتصادية والاجتماعية وتضعه قسراً تحت تصرف رأي واحد وحيد قد يكون قصير النظر.

أو متعنتاً أو متعسفاً أو خاطئاً أو مملوءاً بالثغرات دون أن يوضع بين يدي المجتمع رأي آخر يثري مفاهيمه وينشط حراكه ويزيد التنوع فيه ويجنبه أخطاء وأخطار الرأي الواحد، وقد اتفق الفلاسفة أن الحقيقة تنشأ من جدل الطرفين عبر مسافة فاصلة واصلة.

إن تنحية الرأي الآخر سياسياً كان أم فكرياً بالاعتقال أو بالاستئصال هو ببساطة حرمان المجتمع من رؤية أخرى لمعالجة قضاياه ومعرفة مشاغل الناس وقد تخطئ هذه الرؤية أوتصيب لكنها دائماً تساهم في إغناء حوار الناس حول أحوالهم متعددة الجوانب وتهيئ المناخ لتصحيح الخطأ هنا وهناك لدى هذا الرأي أو ذاك .

وتعديل البرامج في إطار قناعات مشتركة أو توافقات وطنية مادامت هموم الجميع تتركز حول مصالح الوطن وأبناء الوطن، ولأن الأمر كذلك فلعله من العبث اتهام صاحب الرأي الآخر بالشذوذ والانشقاق والمروق وأحياناً بالخيانة مما يقتضي عزله كما يعزل المجذوم.

خلق الله الحياة تعددية، وحافظ تفاعل الطبيعة على توازنها لا توازناً سكونياً جامداً بل توازناً ناتجاً عن جدل بين عناصرها المكونة وتأثير وتأثر متبادلين،جدل متصاعد متحول متحرك كفء يستطيع الحفاظ على هذا التوازن.

ولو كانت الطبيعة عنصراً ولم تكن مركبة لما وُجدت أصلاً ولتلاشت فوراً إلا إذا صادفت عنصراً آخر تتحد به ومعه وتعود مركبة قابلة للديمومة بفضل تبادل التأثير والتفاعل (والجدل) بين مكوناتها، وفي نظرة سريعة على الطبيعة حولنا نلمس تعدديتها من خلال ثنائيات النور والظلمة، والوحدة والكثرة،والذكورة والأنوثة، والليل والنهار، والبرد والحر.

وفي التركيب البيولوجي لجسم الكائن الحي وفي كل ما خلق الله، وترتبط كلها بعلاقات جدلية تتناقض وتتحد في الآن نفسه بشكل لولبي صاعد وبحركية دائمة وصيرورة لانهائية، مما يحفظ ويحافظ على استقرار الكون والطبيعة،والأمر نفسه نلاقيه في المجتمع وفي حوار الناس وخلافهم واتفاقهم على توصيف ما حولهم ومعالجة قضاياهم.

إن الحوار هو وسيلة التواصل الرئيسة بين البشر وإلا فما فائدة النطق إذا لم يستطع الناس عقد الحوار بينهم حيث يعيشون معاً ويتعايشون،وكيف يمكنهم إدراك الإيجابي والسلبي في حياتهم وتصحيح مسارهم واكتشاف أخطائهم أو صواب أعمالهم بدون تواصل وحوار، وحتى الأنبياء أنفسهم أباحوا الحوار بين الناس بل حثوا المؤمنين وشجعوهم عليه في كل مجال (باستثناء ما أوحى به الله).

وإلا لماذا اعتبر القياس والإجماع من مصادر الفقه وهما نتاج حوار، ولماذا أُخذ بالاجتهاد وهو في النهاية ضرب من ضروب الحوار أي إعمال لتعددية الآراء.

إن من يعطل الحوار إنما يخالف العلاقة الجدلية التي خلقها الله في كل شيء، ويتحقق تعطيل الحوار باعتقال أصحاب الرأي الآخر واجتثاثهم أو منعهم بالقوة (العنف) عن قول رأيهم ومحاورة الآخر.

وما الاعتقال السياسي والفكري في الواقع بمختلف عن استخدام أسلوب العنف لمنع الرأي الآخر من إقامة هذه العلاقة الجدلية التي يستحيل منعها أو الاستغناء عنها، ولعل معظم الصراعات التي حدثت في تاريخ الشعوب القديم والحديث ترتبط بصورة أو بأخرى بإقصاء الرأي الآخر واضطهاده وإبقاء المجتمع تحت نير رأي واحد لايمكن أن يدوم لأنه واحد وحيد ومامن واحد وحيد عنصر جوهر سوى الله تعالى.

وفي ضوء ذلك يتراجع العنف في المجتمعات التي تبيح الحوار وتعطيه فرصته ويصبح نشازاً لامعنى له مادام مسموحاً التعبير عن الرأي والتواصل مع الآراء الأخرى، ويزداد مرض العنف استفحالاً كلما ألغي الحوار واعتمد الرأي الواحد عاملاً وحيداً لتسيير المجتمع وإدارته في مختلف مجالات حياته السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والفقهية وغيرها.

اكتشفت المجتمعات الإنسانية بعد آلاف السنين من الصراع والإقصاء والقمع والاستبداد أن الطريق الأفضل لتطورها واستقرارها وأمنها وازدهارها هي طريق الاعتراف بالآراء كلها والعمل على إيجاد المناخ الملائم لتتحاور هذه الآراء وتسقط المتهافت منها .

وتكرس المفيد ويتوصل المجتمع من خلال ذلك إلى رسم طريق تطوره وخلاصه،وهذا ما أكدت عليه مفاهيم الدولة الحديثة وما تسعى الشعوب للتمسك به، ولاتخرج مفاهيم حقوق الإنسان التي أقرتها المنظمات الدولية والإقليمية عن هذا الإطار بمعناه العام فهو بحث عن تحديد الحقوق والواجبات وإتاحة الفرصة للفرد ليعبر عن نفسه وفي النهاية يقرر مصيره.

مازال عديد من أنظمتنا العربية لم يقتنع بهذا ويمارس الاعتقال السياسي والإقصاء أي يمارس العنف ويفضل الوقوف على رجل واحدة ومخالفة ماخلق الله، ويفوت الفرصة على المجتمع ليتطور في ظروف صحية وصحيحة تساعده على دق باب الخلاص، ولذلك نسمع يومياً اعتقالات سياسية في هذا البلد العربي .

أو ذاك تزيد أو تنقص حسب حاجة النظام لحدث تكتيكي يغطي تفرده بمقادير مواطنيه دون حسيب أو رقيب، مخالفاً سنن الكون وتقاليد الحياة، مانعاً المجتمع من اكتشاف أخطائه وإثراء حياته ومفاهيمه، مما يدفعه إلى استخدام أسلوب العنف في نهاية المطاف.

وفي الخلاصة لعله من بديهي القول أن قبول الرأي الآخر والاعتراف به مهما كان مخالفاً وعقد الحوار بين الناس مهما كان رأي المتحاورين هو الطريق الصحيحة والوحيدة للوصول إلى توافقات مجتمعية ووطنية قادرة على إضاءة الدرب ومواجهة الصعوبات داخلية كانت أم خارجية.

وأن الاعتقال السياسي يشكل عقبة حقيقية أمام هذه المواجهة لأنه يلغي الرأي الآخر ويقصيه ويستأصله ويبيح التفرد والصلف والعنت.وفي ضوء ذلك ومادام الاعتقال السياسي هو ديدن بعض أنظمتناالعربية فإن طريق الخلاص طويلة والتعايش بين أبناء المجتمع بعيد المنال، وسنبقى نحرث البحر إلى زمن ليس بالقصير.