يمر العالم منذ تفكك الاتحاد السوفييتي بحالة فريدة من نوعها، لم يشهد التاريخ مثيلاً لها، ألا وهي تفرد دولة عظمى واحدة، وهي الولايات المتحدة، في اتخاذ القرارات الخطيرة التي تمس أمن العالم وعلى أسس قد لا تكون في مصلحة الدولة العظمى نفسها على الأمد البعيد. وقد جلبت هذه الحالة الشاذة معها فلسفات سياسية جديدة تتنافى مع منظومة القيم الأخلاقية التي نشأ المجتمع الديمقراطي الغربي تحت ظلالها.
فهنالك الآن مخاوف حقيقية لدى العديد من دول العالم من القوة الأميركية نفسها التي تنامت بشكل كبير، مستخدمة آخر ما وصلت إليه تكنولوجيا الدمار التي تتطور بسرعة متزايدة لتصبح أكثر فتكاً وهولاً من أي وقت مضى ومصدراً لتهديد السلم والأمن في العالم.
فالسياسات الأميركية لم تعد خاضعة للتقاليد والأعراف الدولية التي تأسست في ضوئها منظمة الأمم المتحدة وصيغت اللوائح التي تحترم حق الشعوب في تقرير مصيرها واختيار نظامها السياسي. ولسنا نجانب الصواب عند القول بأن السياسة الأميركية قد بدأت تسبب القلق حتى لحلفائها التقليدين في أوروبا.
ولا يقتصر التخوف من سياسات الولايات المتحدة على انتهاجها مبدأ استخدام القوة في فرض أجندتها على الآخرين بغطاءٍ شرعي دولي أو بدونه، وإنما يتجاوز ذلك إلى التخوف من نهج فكري خطير باتت الإدارة الأميركية مقتنعة به ومصرة على انتهاجه، لا يختلف كثيراً عن الأصولية الدينية، وهو استبعاد أي رأي آخر مدعية العصمة والحق فيما تراه فقط، ومعتبرة ما خلا ذلك هرطقة وتحالف وتناغم مع الإرهاب.
فالمحور الرئيسي في الإستراتيجية الأميركية هو الإصرار على الاحتفاظ بالتفوق العسكري الساحق، إذ ليس هنالك من مبرر لمقدار الصرف الهائل على التسلح وعلى الأبحاث العسكرية التي يشرف عليها البنتاغون سوى الرغبة في منع أية قوة أخرى في العالم من النهوض.
فالولايات المتحدة تنفق على السلاح قدر ما تنفقه جميع الدول الأخرى مجتمعة وتتميز عن بقية دول العالم في برنامجها الخاص بحرب النجوم الذي تأمل من خلاله تأمين سلامة الأراضي الأميركية ضد الهجمات الصاروخية النووية.
ولأجل ذلك تعمد الإدارة الأميركية إلى خوض حروب وقائية وليس حروباً استباقية، والفرق بين الاثنين هو أن الحرب الاستباقية تعني مهاجمة دولة أو منظمة تشكل خطراً وشيكاً على المصالح الأميركية أو مصالح حلفائها،
في حين أن الحرب الوقائية تعني شن هجوم ضد هدف غير مبرر، وجوده أقرب إلى الوجود الافتراضي منه إلى الوجود الواقعي، فالهجوم على العراق واحتلاله والضربات المتوقعة ضد المواقع النووية الإيرانية تقع تحت مسمى الحروب الوقائية من وجهة النظر الأميركية.
فإذا كنا نجد بعض المبررات المقبولة للحرب الاستباقية، مثل إجهاض هجوم إرهابي متوقع، إلا أن الحروب الوقائية غير مبررة على الإطلاق فهي ذات طابع استعماري بحت ولها هدف واحد فقط هو منع أي تحد قد يطال قوة ومكانة الولايات المتحدة في العالم.
ولهذه السياسة من غير شك تداعيات خطيرة على مستقبل العلاقات الدولية والسلم في العالم، فأصدقاء الولايات المتحدة في انحسار خاصة وأن هنالك شعورا بالغبن لدى حلفائها الذين بدأوا يشكون من تهميش أدوارهم.
لا تستطيع الإدارة الأميركية إخفاء طموحاتها الإمبراطورية التي باتت واضحة المعالم، فالقوة المفرطة التي تتمتع بها الولايات المتحدة، اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً، قد فتحت شهيتها لأطباق أخرى.
فإن الولايات المتحدة التي رفعت راية محاربة الأنظمة الشمولية بحجة أنها معادية لشعوبها وللديمقراطية في طريقها إلى إقامة نظام شمولي عالمي لا يترنح الأفراد تحت قساوة وطأته فحسب،
كما كان الحال في الأنظمة الشمولية التي سقطت، ولكن تترنح الدول تحت همجية هيمنته، وتصبح القيم الديمقراطية نفسها أبرز ضحايا هذا النظام. وليست فضيحة تجسس الإدارة الأميركية على المكالمات الهاتفية لبعض مواطنيها منتهكة بذلك خصوصيات الأفراد التي تضمنها الشرائع والقوانين ببعيدة عنا.
فالكثيرون ممن عارض الحرب على العراق، داخل الولايات المتحدة، يعتقدون بأن الديمقراطية الحقيقية التي انبثقت من خلال المطالبة بتحقيق العدالة والتعامل الشفاف بالمعلومات،
قد انتُهكت حينما أقدمت الإدارة الأميركية على احتلال العراق. إذ ليس من المقبول في مضمار الثقافة المعاصرة الحديث عن التحولات الديمقراطية من غير أن يشار مباشرة إلى وسائل تحقيق ذلك، فاستخدام القوة واستباحة البلد ليس مدخلاً ديمقراطياً لتحقيق الديمقراطية.
لقد شهد القرن المنصرم في خمسيناته وستيناته وسبعيناته نشاطات مكثفة لوكالة المخابرات المركزية الأميركية، في تغيير أنظمة الحكم في آسيا وأميركا اللاتينية عن طريق الانقلابات العسكرية.
أما في الفترة اللاحقة فقد عمدت الولايات المتحدة إلى تغيير الأنظمة التي لا ترغب في وجودها بالتدخل العسكري المباشر، كما حدث في غرينادا إبان رئاسة رونالد ريغان وفي بنما أبان رئاسة بوش الأب ثم في أفغانستان والعراق في عهد الرئيس الحالي، وهذا من غير شك تحول هام وخطير في إستراتيجية الدولة العظمى.
كما لجأت الولايات المتحدة وحلفاؤها إلى أسلوب آخر في تدمير من تشاء، ألا وهو فرض الحصار والعقوبات، وهذه تقليعة جديدة لم تكن تُمارس في السابق على المستوى الذي تُمارس فيه الآن.
فالعقوبات إذ تعمل على تدمير اقتصاد البلد المحاصر وعلى إضعاف قدراته وسحق إرادته، تعمل كذلك، كما حصل في العراق، على تدمير فرص نهضته في المستقبل وجعله صيداً سهلاً للمؤسسات المالية الكبيرة، التي تجد في ديونه مدخلاً سهلاً وممهداً إلى موارده الطبيعية بأسعار بخسة ووفق عقود ميسرة لصالحها.
إن استمرار الولايات المتحدة في سياساتها الانتقائية وعدم توازن مواقفها السياسية واستمرارها بالكيل بمكيالين مختلفين، وسعيها الدؤوب في إحكام قبضتها على مصائر الشعوب، لن يساعد على تلطيف الأجواء الدولية وتقديم الحلول التي ترضي المجتمع الدولي،
بل على العكس من ذلك، ستخلق المزيد من بؤر التوتر في العالم. فليس هنالك غير طريق واحد أمام واشنطن للتعامل مع المشاكل العالمية، ألا وهو اللجوء إلى الشرعية الدولية المتمثلة في منظمة الأمم المتحدة والجهات العديدة المنبثقة عنها.
وخلافاً لذلك ليس أمامها سوى الإيغال في سياساتها الشرسة وغير المتفهمة وإضافة المزيد من الشرور إلى هذا العالم، مثيرة بذلك المزيد من التحديات الأكثر جرأة وربما الأكثر قدرة على التدمير. واضعة بذلك شعب الولايات المتحدة في جانب وبقية شعوب العالم في جانب آخر.
كاتب عراقي
majamal@emirates.net.ae