رغم أن الدبلوماسية ترتبط بداهة في الأذهان بعدة شمائل لعل في مقدمتها رقة الحاشية ولين الجانب والتمسك بالتقاليد - البروتوكولية التي تحمل اسم المراسم واتباع الأسلوب الناعم - بمعنى غير الخشن أو غير المباشر في مقاربة القضايا، ومحاولة الالتفاف حول المشاكل واحتواء استجابات الخصم،

رغم هذا كله، ورغم أن صفات الرقة أو نعومة التعامل وخفة الاقتراب ولين الجانب أمور تعزى تاريخيا في معظمها إلى عالم المرأة وسلوكيات النساء.. ولاسيما اللامعات والمتعلمات - إلا أن التاريخ الدبلوماسي - الحديث على الأقل - لم يكد يعرف سيدة بارزة تركت بصمات واضحة أو باقية لا في علاقات الدول ولا في سياسات العالم ولا في عمليات التفاوض مع الخصوم أو حتى الأنداد.

العكس تماماً.. فما زال التاريخ الحديث يردد ذكر رجال تركوا بصماتهم بحق على دفتر العمل الدبلوماسي سواء من موقع وزير الخارجية وهو الدبلوماسي الأول أو من موقع الدبلوماسي المفكر أو الدبلوماسي المعلم.. في هذا السياق يتردد مثلا اسم موريس دي تاليران الفرنسي الذي عاصر وخدم عهودا ثلاثة ما بين الثورة إلى الإمبراطورية (نابليون) إلى الملكية (البوربون)..

ويتردد أيضا اسم كليمنسي مترنينج النمساوي الذي وضع خريطة أوروبا بعد هزيمة بونابرت وما زالت تؤثر عنه عبارة «الحفاظ على توازن القوى» وهي شعار الدبلوماسية الأثير.. هذا ناهيك عن أسماء رجال من طراز كيسنجر وقد نال أطروحته للدكتوراه عن سلفه النمساوي مترنينج - أو من طراز دالاس وقد تلامست سياساته الخشنة الغليظة مع أقدار العالم العربي في عقد الخمسينات أو السفير كينان

وقد توفى مؤخراً عن عمر يناهز المائة عام وبعد أن علّم أجيالا من دبلوماسيي أميركا وخاصة في ظل نظريته الشهيرة بشأن الاستعاضة عن مواجهة الخصم باتباع «سياسة الاحتواء». والسفير البروفيسور جون جالبريث الذي رحل عن الدنيا في أواخر أبريل الماضي عن 97 عاماً

وما زال اسمه يتردد بوصفه في طليعة المفكرين الاقتصاديين في عصرنا وما برح كتابه «مجتمع الرفاه» يعد من الأعمال النيو كلاسيك بمعنى المؤلفات الجليلة التي تحظى باحترام متواصل عبر أجيال السياسة والاقتصاديين.

والمعروف أن أميركا تتميز بأنها تضفي على وزير خارجيتها - في كل عهد وإدارة رئاسية، جمهورية كانت أو ديمقراطية مكانة متميزة، لا بحكم مواهب شاغل المنصب الرفيع وحسب، بل أيضا بموجب التقاليد والأعراف السياسية المعمول بها في واشنطن.

من هنا يعد وزير خارجية أميركا بمثابة الوزير الأول وربما كبير الوزراء ويدل على هذا ترجمة المسمى الوظيفي، فبينما يترجم لقب كل وزير حسب الحقيبة المتخصصة الموكلة إليه..

فيقال مثلا أمين الداخلية، أو أمين التعليم أو أمين الخزانة (يستخدمون مصطلح سكرتير دلالة على الوزير) فإن وزير الخارجية الأميركي يحمل حرفيا لقب «أمين.. الدولة» وهو يجلس مباشرة إلى جوار رئيس الجمهورية في اجتماعات مجلس الوزراء.. لا يسبقه في هذه المكانة سوى نائب رئيس الجمهورية وربما رئيس مجلس النواب بالكونغرس باعتبار أن هذين المسؤولين - إلى جانب رئيس الجمهورية شخصيات جاءت إلى مناصبها بالانتخاب.

ورغم أن الخارجية الأميركية شهدت في العقود الأخيرة من القرن العشرين وزراء مهرة وحاذقين من طراز سايروس فانس وجيمس بيكر - إلا أن المجال ما لبث أن انفتح أمام المرأة منذ أن بادر الرئيس كلينتون إلى تعيين مادلين أولبرايت في ولايته الثانية،

وبعده اختار الرئيس الحالي بوش صديقة الأسرة الدكتورة كوندوليزا رايس لوزارة الخارجية في ولايته الثانية خلفا للجنرال كولين باول، وما زالت ترأس الآلة الدبلوماسية لواشنطن وتحوز إعجابا من جانب محللين يستعيدون سيرتها الأكاديمية منذ أن تخصصت مع الدكتوراه في دراسات روسيا السوفييتية - علم الكرملينوجيا كما يسميه الأميركان..

وقد يتطرق بعضهم إلى جوانب أو مراحل من حياتها المهنية اشتغلت فيها بقضايا البترول (وربما كان في هذا ما جعلها أقرب كثيرا إلى عائلة بوش النفطية الهوى في تكساس) ولدرجة أن أطلقوا اسم الدكتورة كوندي على إحدى ناقلات النفط التي تمخر عباب البحار: ثم قد يتسع نطاق التحليل إلى حيث يمتد إلى الأفكار النظرية التي طرحتها رايس

ولا يزال الناس يسمعونها على لسانها تارة أو على لسان الرئيس بوش تارة أخرى.. وهي أفكار من قبيل: الهجوم الاستباقي.. أو الفوضى المنظمة أو الضربات الاجهاضية أو فرض الديمقراطية من خلال تغيير النظم الحاكمة، وما إلى ذلك.

من هنا اختلف المحللون حول نهج الدكتورة كوندي.. بين التوفيق أو الفشل في إدارة دفة العلاقات الدولية لبلادها ولكن قليلين يختلفون على أنها تنسى نفسها أحيانا.. أو تتنازل عن ذاكرتها الثاقبة أحيانا عندما تطلق تصريحات لا تنال من جرائها سوى سخرية المراقبين وتهكم المحللين!.

آخر ما نطالعه في هذا المجال.. هو ما نشرته ال«نيويورك تايمز» في ملحقها السياسي الأسبوعي (بتاريخ 7/5/2006) بقلم الكاتب مارك جلاسمان الذي تربص ولا شك بوزيرة الخارجية الأميركية - وخاصة بتصريحات أدلت بها في عامي 2005 و2006 بالذات.

والطريف أن يتوقف الكاتب عند عبارة بعينها «ضبط» وزيرة الخارجية الأميركية وكأنما اتخذتها شعارا ترفعه وتردده، بل وتلوكه في كل مناسبة وأحيانا بغير مناسبة على الإطلاق.. والعبارة - الشعار يقول:

- «ليس لدينا أفضل صديق منكم».

والمشكلة أن هذه العبارة تكررت في مناسبات شتى لكن مع تغيير ضمير المخاطب وقد كررتها كوندوليزا رايس مع وزير خارجية اليونان، ومع رئيس وزراء إيطاليا، ومع وزير خارجية بريطانيا (السابق) جاك سترو ثم وزير خارجية اليابان..

أما بنو العروبة فلم يفتهم الحظ إذ سمعوا نفس العبارة خلال لقاء الدكتورة كوندي مع السيد قصراوي وزير خارجية الأردن في عمان في 19/5/2005. ويومها أعلنت الوزيرة الأميركية «أن ليس لنا صديق أفضل من الأردن.. صديقنا الطيب الذي يشاركنا رؤية السلام والاستقرار.. والإصلاح في هذه المنطقة».

ورغم كل هذا التكرار.. الذي يكاد في رأينا يفقد حكاية الصداقة الحميمة أو الصديق الذي ليس هناك أفضل منه ما تومئ إليه من معان إيجابية، إلا أن وزيرة خارجية أميركا وجدت من يتفهم موقفها..

وفي هذا يقول جيمس روبن المساعد السابق لوزير الخارجية في عهد كلينتون: في دنيا الدبلوماسية عليك أن تعطي لكل طرف انطباعا بأنه على قائمة من تفضل من شركاء وأصدقاء..

مع ذلك يظل السؤال الحائر مطروحا:

- هل تنطلي مثل هذه الأقوال على وزراء الدول وكبار مسؤوليها؟

كاتب مصري