أحد أدلة ضعف الأمم عبر التاريخ هو قضم أطرافها سواء كان ذلك عبر الاحتلال أو عبر انتقال تبعية هذه الأطراف طواعية وبرغبة سكانها إلى بلدان أخرى. ذلك ما حدث للإمبراطوريتين الإسلامية والبريطانية في عصرهما الذهبي.
وأظن أن القارئ في غنى عن سرد قائمة بما كان في حوزة العرب وتحت سيادتهم ثم ما لبث أن ضاع منهم، فالإمبراطورية التي كانت ممتدة من حدود الصين شرقا إلى قلب أوروبا غربا انكمشت، ولم يعد هناك من يتذكر مجدها القديم او يبكي على ضياعه، فالعواطف باردة والانبهار بالآخر /الغازي قد بلغ مداه، كما أن تسفيه الذات التاريخية قد أصبح بضاعة رائجة.
ويبدو أن ضعف الأمم لا ينعكس فقط على إحساس أفرادها بالمذلة بعد عز وبالهوان بعد رفعة، بل يمتد إلى الطباع الشخصية.. فتتحول الشجاعة إلى جبن، والكرم إلى شح، والأخلاق الفاضلة إلى وضاعة، والأبوية إلى اتكال على الغير.
ويبدو أن ما تغنى به ديوان الشعر العربي في عصره الأزهى من نبل وفروسية وإغاثة ملهوف والانتصار لمظلوم لم يعد صالحا للإسقاط على واقعنا. بل إن العكس تماما هو الأقرب للحقيقة التي نعيش مراراتها.
ربما تكون هناك أعذار للبعض في حال العجز التي تبدو تجاه العراق وفلسطين، لكن المسألة ليست قوى قاهرة غالبة تعادينا، ويعتبر بعضنا أن الوقوف في وجهها نوع من التهور الذي لا يليق بحكماء.
لكن ما هو التبرير لحال العجز العربي والإسلامي التي تبدو تجاه الصومال. ففي مقديشيو ليست هناك إسرائيل ولا أميركا، لا أسلحة نووية يخشى منها ولا ترسانة تقليدية. لا دولة طامعة متغولة ولا عدو هناك يتربص بنا أو يتهمنا بمساندة الإرهاب إن نحن تدخلنا لوقف القتال في ذلك البلد المنكوب أو تدخلنا لإغاثة الجوعى والمرضي والمشردين.
الصومال بلد منكوب بعروبته وإسلامه قبل أن يكون منكوبا بجوعه وحروبه الأهلية التي لم تتوقف منذ 15 عاما وكأنها حرب البسوس. ولو كان مسيحيا لتنادت المجتمعات الغربية إلى اقتطاع جزء من معوناتها الخارجية له حتى يقف على قدميه مرة أخرى، أما نحن فلن نتحرك إلا لو قيل لنا إن جهات تبشيرية كنسية تعمل في الصومال وتستغل جوع أهله لتحويلهم إلى المسيحية.
حسنا هذا ما يحدث بالفعل منذ عام 1992، فقد تم إقامة معسكرات في بلدان مجاورة لمن قبلوا التحول عن دينهم، ومنح عشرات الآلاف من الصوماليين حق اللجوء إلى بلدان غربية أبرزها كندا وذلك بترتيب من جهات كنسية ومنظمات تبشيرية. لكننا ننسى، ونساق كالقطيع أحيانا في الاتجاهات التي يراد لنا أن نسير فيها دونما وعي.
ما يعانيه الصومال من صمتنا وتخاذلنا وأحيانا بخلنا حتى بمجرد التغطية الإعلامية للأزمة دليل فساد أخلاقنا وانهيار منظومة قيمنا، فنحن نتحرك.
ونتبرع ونظهر سخاءنا حينما تكون هناك عدسات تلفزيون وصحف عالمية تتحدث عن مآثرنا، أما الصومال فلا عدسات هناك ولا صحافيون مشاهير لهم أعمدة في «نيويورك تايمز» و«واشنطن بوست» و«الجارديان». هناك فقط جوع يعوي ورصاص ضال يخترق أجسادا هزيلة. وحينما تحضر مرضاة الله فقط لا يشمر المنافقون سواعدهم للعبادة.
magdishendi@hotmail.com