لا يكون للإعلام دور يذكر ما لم يفتح نوافذ واسعة ومشرعة للحوار. لا أقصد الحوار الذي ينصت فيه واحد بينما يثرثر الآخر بكلام يعجب الأول ويطربه ويدفعه لقول «الله قل أيضاً وأمتعني» فهذا ليس حواراً ولا نقاشاً، إنه بله إنساني ونفاق لا يمارسه إلا غير الأسوياء وصولاً لغايات معينة.
وهذا مالا يسعى إليه إعلام الرأي بالتأكيد. نحن نتحدث عن حوارٍ فيه رأي، رأي يقوله صاحبه مستنداً إلى منطق، وإلى حجج، وإلى مصداقية لأنه يريد من خلاله أن يصل إلى نتيجة تقود إلى فائدة!
هناك قضايا كثيرة مفتوحة اليوم على الأرض وفي واقع الإمارات، وكلها تحتاج إلى حوارات صادقة وجادة لأن التعاطي معها بالتجاهل لا يخدم أحداً. أما الصمت فلا يبني شيئاً.
وأما الهروب فهو اعتراف بالعجز، لا أظننا نحتاج الوصول إليه، نحن لسنا عاجزين عن الحوار، ولسنا رافضين لهذا الحوار، لكننا لا نسعى إليه، لا أدري لماذا، مفضلين الصمت والتجاهل مع ان الاثنين لا يغيران الموجود ولا يبنيان المستقبل.
يقول أحد السادة القراء في إطار الدعوة لهذا النوع من الحوار الجاد وفي رسالة بعثها إليَّ «®®. ان انتقاد الحجم الكبير للعمالة الوافدة ـ ورأيي أنه انتقاد في موضعه ـ هو انتقاد أراه موجهاً في المقام الأول للقطاع الخاص في الإمارات الذي تشير الإحصاءات إلى أنه المسؤول الأكبر عن استقدام هذه العمالة، إن هؤلاء الوافدين غير مسؤولين عن تواجدهم في الإمارات ،لقد قيل لهم تعالوا لأداء عمل، فجاؤوا، ثم قيل لهم بعد وصولهم «أهلاً وسهلاً.. هل تعلمون أنكم تسببون لنا مشكلة اجتماعية»!!
ويكمل القارئ: «فضلاً عن ذلك، فإن الدعوة إلى وقف التنمية لخفض العمالة الوافدة هي إحدى الخطايا التي تتردد أحياناً في الحوار الاجتماعي الدائر حول حركة التنمية المتسارعة في الإمارات.
وأنا أعتقد بأن العودة إلى «يمن الإمام» أو «ألبانيا أنور خوجه» تعكس عجزاً محيراً عن فهم حقيقة بسيطة تلك هي أنه ليس بالإمكان إقناع البشر بوقف سعيهم الممتد منذ عشرات الآلاف من السنين لتحسين مستوى معيشتهم .
والظروف التي يعيدون فيها إنتاج الحياة، ليس بالإمكان إقناعهم بتجاهل بناء المدن الحديثة ومد الطرقات العملاقة ومعالجة المرضى بأحدث المعدات والمستشفيات وتعليم الأبناء في أرقى المدارس والجامعات، وإتاحة محطات الكهرباء والماء العذب.
بالفعل فإن الدعوة لوقف التنمية شكل من أشكال العبث يمكن تركه نهائياً كسباً للوقت، والبحث بدلاً من ذلك، عن وسائل للتنمية لا تتطلب عمالة مكثفة، ليس صحيحاً بأن الأمر لا يمكن حله إلا بالاختيار بين:
إما التنمية أو حل قضية التركيبة السكانية ومن ثم الحفاظ على الهوية الوطنية. ان التنمية لا تحتم التخلي عن الهوية، بل إن التخلي عن التنمية يمكن أن يعد تخلياً عن الهوية في أحد جوانبه.