بعض مستجدات التفاعلات العربية البينية والخارجية أحيت لدينا الأمل في عدم خلو المجال العربي من الوقائع المثيرة لعنصر الدهشة، هذا العنصر الذي نعتقد أنه مهم لتحريك الخيال وقطع الرتابة واستفزاز طاقة التحليل والتناظر السياسيين.
قبل أربعة أشهر تقريبا، كان فوز حركة حماس بثقة الناخبين من الأحداث الجديرة بإثارة الدهشة مما يعتمل على الساحة الداخلية الفلسطينية . ونافس على هذه الجدارة تالياً، ردود الأفعال السلبية إزاء هذا الفوز من لدن دعاة الإصلاح السياسي الديمقراطي في عالم الغرب.
أما آخر الوقائع المدهشة بامتياز، وربما كانت طريفة أيضا، فهي تتعلق باتهام حماس بتخزين السلاح ورصد مواقع وأهداف حساسة في رحاب الأردن، بما من شأنه خرق قوانين هذا البلد وتعريض أمنه للخطر.
مناط الدهشة هنا، أنه لكي ينحاز المعنيون لهذه الرواية، لابد لهم من إعادة النظر في صحة التزام حماس بثوابتها وتوجهاتها وسياساتها العربية، وكذا في سلامة تقديراتها وإدراكها للمعطيات المقبضة والقيود الشديدة المحيطة بها من كل حدب وصوب.
ولأنه لا يُعرف عن هذه الحركة أنها انحرفت عن منهجيتها في حصر أنشطتها، المسلحة بخاصة، بفلسطين، كما انه ليس هناك ما يدعو للتشكيك في عقلها السياسي الذي يعي حاجته للانفتاح على العرب وليس العكس، فإن الرواية الأردنية تطرح ذاتها للنقاش بأكثر مما هي حرية بالصدقية الفورية، اقله إلى أن تنجلي حقائق القضية بالكامل.
في التفصيلات، نلاحظ بسهوله أن سلوكيات حماس لزهاء عقدين وبرنامجها الذي خاضت به معترك الانتخابات والسلطة، تؤكد عنايتها المطلقة بالدائرة الفلسطينية لاغير، وحرصها على عدم استعداء أو مناكفة أي طرف آخر بالجوارين القريب والبعيد.
وانه لم يسبق لها اجتراح أنشطة جهادية، ولا سيما عنفوية، خارج هذه الدائرة. هذا على رغم النص في ميثاقها (المادة الثانية) على أنها «جناح من أجنحة الإخوان المسلمين في فلسطين، وحركة الإخوان المسلمين حركة عالمية».
وهناك تيار داخل حماس يرى أن هذا النص بات عبئاً عليها، كونها في الواقع حركة مستقلة تماما وصاحبة قرارها وينبغي أن تكون لها سياستها الخارجية المستقلة.
وذلك يجنبها الارتهان لخلافات الإخوان المسلمين مع بعض الأنظمة، كما هو الحال في الأردن مثلا ،كما يجنب الإخوان تحمل مسؤولية قراراتها.كذلك تظهر الطبيعة المحلية، الوطنية، لحماس من تجاوزها للتكييف الاخواني العام للتعامل مع العدوانية الإسرائيلية.
فهذا التكييف يرى انه لا مجال لمضيعة الوقت والجهد في الحلول السلمية والمؤتمرات الدولية والمبادرات الخارجية. لكن حماس تذهب إلى أنها ليست ضد التفاوض وقبول حلول جزئية مرحلية مع إسرائيل.
تاركة الهدف النهائي للتفاعلات التاريخية طويل الأجل. وقد يتحفظ البعض هنا بأن حماس مازالت تنطوي على أو تحوي تيارا يأبى فك الارتباط مع ما يعرف بالتنظيم العالمي للإخوان، وهذا صحيح إلى حد كبير، غير أن التيار السائد والمعبر عن أغلبية الحركة هو الأكثر ارتباطا بالمحلية الفلسطينية.
هذا واضح من القبول بخوض انتخابات السلطة وصولا إلى تشكيل حكومتها الحالية، وكذا من انفتاح حماس على كل الآراء والاستماع إلى أصوات العواصم الداعية إلى مزيد من التوجهات البراجماتية. بهدف استقطاب الدعم عربيا وإقليميا ودوليا.
وإذا كانت حماس لم تأخذ بكل هذه الأصوات والنصائح بعد، مستعصمةً بكثير من ثوابتها، إلا أنها لم تغلق الباب كلية للتجاوز التكتيكي عن بعض هذه الثوابت، بما في ذلك مهادنة إسرائيل إلى اجل طويل معلوم، شريطة تحقيق مطالب معينة للحركة، كالانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي المحتلة 1967 وعودة اللاجئين وإطلاق سراح جميع الأسرى في السجون الإسرائيلية.
و لا يبدو أن التيار الاخواني «العالمي» قد ابدى غضبه من هذا الإفراط في الوطنية والمحلية في ممارسات حماس. إذ تلقت هذه الأخيرة تهنئة من إخوان مصر والأردن وسوريا وغيرهم. كما دعا بعض منهم إلى ردفها بالعون المالي والاقتصادي وقايةً لها من ضغوط المانحين الدوليين.
غير أن بعض الأجنحة الإسلامية الموصوفة بالعالمية، العابرة للمحيطات والمجتمعات والأنظمة، الموسومة بالتطرف والدوجمائية، لا تشارك حماس رؤيتها الوطنية ومعالجتها لعملية التحرر الفلسطينية.
وتتصل هذه الملاحظة أساسا بتنظيم القاعدة، الذي لام حماس على دخولها اللعبة الانتخابية الديمقراطية «المخادعة والمخالفة للشرع»، ونصحها بالتخلي عنها والعودة لحديث الحاكمية، وأسلمة المجتمع وتطبيق حدود الله ... ومن المعروف أن حماس ردت هذه الدعوة على أصحابها ورفضت الأخذ بها .
القصد إن هناك قوى تحاول أن تشد حماس لمغادرة اعتدالها وبراجماتيتها ومحليتها وعدم تدخلها في شؤون الأقطار الأخرى، قد تودعها للمجهول وتضعها في دائرة الشبهات الإرهابية والاستهداف المكثف على نطاق عالمي! ..
ومن المرجح أن تفضي الضغوط المتوالية على هذه الحركة ومحاولة اعتصارها بين حصار الخارج وعداوته وبين كيد الداخل ونكاياته، إلى انحياز بعض أجنحتها إلى هذه القوى.
نود القول بصيغة أخرى، :إن مساعي إفشال الحركة، وافتعال الأزمات معها وإلقاء الاتهامات في وجهها، ستوسع فرص الاتجاهات المتطرفة في إغواء نفر من حماس وتلقفهم جراء سخطهم من نتائج الاعتدال واتباع صراط التعامل بالديمقراطية وسننها.
وبين ما نحسب انه سوف يعجل بوقوع هكذا تصور، وصول حماس إلى طريق مسدود ونجاح القوى المضادة لها في إفشالها بالفعل. فعندئذ قد تنفلت قبضة شيوخ الحركة بما يذهب بريح عملية الضبط والربط التي تسم العلاقة بين قمة الحركة وقواعدها.
ربما كان صعود حماس مدعاة للدهشة المصحوبة عند البعض بالامتعاض ،لكن مداخل هذا البعض لإفشالها والتحريض عليها تدعو للدهشة أكثر، بسبب سذاجتها الواضحة، فمن هذه المداخل ما يمثل وصفة مثالية لتحويل بعض أتباع حماس إلى التنظيمات المتطرفة، وهذا خطر لا تقدر علية فلسطين ولا تطيقه الخريطة الاجتماعية السياسية العربية برمتها.
كاتب وأكاديمي فلسطيني