هل هي أزمة مؤقتة وتمر؟
أم أنها ستستمر والحصار سيبقى والخناق سيزداد إلى أن تسقط وتتهاوى الحكومة الفلسطينية الجديدة؟ في حقيقة الأمر، منذ قيام السلطة الوطنية الفلسطينية لم نسمع عن حكومة «فتح» ولكن عن حكومة السلطة الفلسطينية التي تمثل الشعب الفلسطيني بجميع فصائله... ولكننا اليوم نسمع ليل نهار عن حكومة جديدة يطلق عليها «حكومة حماس».
وبدا كأن الإعلام الإسلامي والغربي بطريقة أو بأخرى متعمدا أو عن غير قصد توجه نحو إفهام العالم بأن من يحكم الفلسطينيين هم حركة «إسلامية» تسمى حماس. وكأن هذه الحكومة الجديدة جاءت بانقلاب عسكري.
كما يحدث عادة في دول العالم غير الديمقراطي (بدلا من أن نطلق على أنفسنا دول العالم الثالث) ولم تأت بانتخابات شهد العالم بأسره بنزاهتها.
ومنذ أن انتخبت والعالم بأجمعه يحاول وأدها بشتى الطرق لأسباب عديدة لا داع لتفصيلها. وكلنا تابعنا من خلال وسائل الإعلام الهجوم الذي شن عليها حتى قبل إعلان النتائج النهائية.
ولا داع أيضا لإعادة ذكر ما يعتقد الجميع بأنها الجهة الأم التي تقف وراء تلك الهجمات الإعلامية ولا مدى نفوذهم الإعلامي والسياسي. وأيا كان ذلك النفوذ، إلا أن هذه الظاهرة المتمثلة في وصول حركة إسلامية وعربية إلى السلطة أزعجت الكثيرين حتى من بين الدول العربية الإسلامية نفسها، تخوفا من انتشار هذه الظاهرة في دول أخرى.
وهكذا وجدت الحكومة الجديدة نفسها فجأة بعد مرور فترة الفرح بالانتصار أمام أمر ليس بالهين ولا باليسير، وأن عملية طبخة السياسة غير قراءة الوصفة.
والشعارات والمبادئ التي أوصلتها إلى الحكم انقلبت هي نفسها إلى عائق كبير أمام بقائها في هذا الموقع. فهذا الأسد الخبير في ساحات المعارك المسلحة وجد نفسه بعد انتصاره ملكا على الغابة المليئة بالأنياب والمخالب المفترسة والعقول الماكرة التي تتحين الانقضاض عليه وإزالته من عرشه، وأن عليه الآن إعادة الهدوء إليها أو التسبب في الفوضى التي ستقلب الدنيا على رأسه.
وأسوأ كارثة واجهتها الحكومة الجديدة من بين الأزمات المتتالية، تمثلت في انقطاع شريان الحياة الرئيسي عنها: إمدادات المال. وبين الحفاظ على كرامة الفلسطيني من التسول وبين الموت جوعا، وبين وقف المساعدات الأوروبية.
وصمت العالم العربي الذي لم تتعد معوناته حفنة من الدولارات أعطيت بعد تردد وخجل لكي تبقيه حيا لأيام أخرى، وجد رئيس الوزراء الفلسطيني إسماعيل هنية نفسه محاطا بحكومته في موقف صعب جدا لا يحسد عليه كموقف الأب الذي لا يجد ما يطعم به أطفاله.
ولم تكن الحكومة الجديدة برئاسة حماس تتصور أن (إسرائيل) لن تفوت الفرصة لخنقها، وكانت تعتقد بأن إسرائيل سوف تخشى على نفسها وأمنها من قوة حركة حماس وهي تتربع على كرسي السلطة وسوف تسارع في الاستسلام لمطالبها والتفاوض معها وتقدم لها التنازلات. وهذا ما عبر عنه الشارع الفلسطيني بعد يوم من انتقال السلطة للحكومة الجديدة.
وفوجئت الحكومة الجديدة في اليوم التالي تماما بأن شيئا من ذلك لم ولن يحدث. بل أن الدولة الأكثر عداوة لها ازدادت شراسة ضدها وأهدرت دماء زعاماتها بدءا من رئيس الحكومة بحجة محاربة الإرهاب.
واشتدت الأزمة بعد انفجار تل أبيب لتجد الحكومة الفلسطينية الجديدة أمام الأمر الواقع واختيار موقف من بين موقفين كليهما مر على صاحبه: التنديد بالعملية أو الدفاع عنها!
والأزمة التالية كانت متوقعة جدا. وهذه حالنا دائما في كل شبر عربي من هذا الوطن الذي لا يعرف كيف يحل خلافاته فيما بين أبناءئه إلا من خلال العنف والدم والاقتتال. فإذا بفتح وحماس تنقلان الصراع الشفوي إلى الاشتباكات المسلحة بين مسلحيها في غزة ونابلس رغم اتفاق التهدئة فيما بين الحركتين.
ويستغرب الكثيرون من المتابعين للقضية الفلسطينية كيف يصل الأمر بين الفلسطينيين الذين يواجهون مجتمعين خطر زوالهم واحتلال وسرقة أراضيهم وبناء الجدران العازلة حولها وتدمير منشآتهم الاقتصادية والزراعية والبنية التحتية ورفض قبول المهجرين منهم من قبل إسرائيل، يملكون تلك الجرأة لتوجيه أسلحتهم لأتفه الأسباب أولا إلى صدورهم؟!
وهي مأساة حقيقية بدأت ويصعب التنبؤ بنهايتها. وهي مجرد بدايات الصراع بين القوتين: فتح وحماس التي دشنت بالصراع حول صلاحيات رئيس السلطة الفلسطينية والحكومة وصلاحيات رئيس الوزراء.
ولم ينته المسلسل بعد. فقد أعلن الأردن قبل أيام عن اكتشاف أسلحة ومتفجرات كانت مخبأة في الأراضي الأردنية تعود إلى حركة حماس والتي كانت حماس تنوي استخدامها ضد بعض المصالح الأردنية!
وسواء كان هناك اختراق (وهو أمر غير مستبعد) حصل لتشويه سمعة الحكومة الجديدة لتضاف إلى المواقف المحرجة الأخرى التي تتعرض لها منذ توليها السلطة بهدف إضعافها وإسقاطها، أو أن هناك فعلا نية من هذا القبيل لدى حركة حماس (ولو أن ذلك يبدو من الصعب تصديقه في هذا الوقت الحرج الذي تمر به حكومة هنية).
فإن النتيجة في كلا الأمرين واحدة والسؤال واحد: كيف سنخرج من هذا الحصار الذي يضيق يوما بعد يوم على اختيار الشعب الفلسطيني؟ وهل بإمكان الملك المنتخب الخروج بحكومته من هذه الأزمات المتلاحقة؟ وهل سيستمر طويلا؟
إن الحكومة الجديدة برئاسة حماس ومن خلال مجموعة من الوزراء الذين يدافعون عن شعار النزاهة والعدالة والإخلاص للوطن ليس أمامهم سوى أن يختاروا بين أن يتمسكوا بالمبادئ والشعارات التي أوصلتهم إلى نهاية السباق وتحمل الجوع الفلسطيني المتزايد أو الانسحاب والاحتفاظ بماء الوجه وإطعام هذا الشعب الذي يذوق الأمرين منذ عقود طويلة.
لكن الأزمات لن تتراجع. والمؤامرات لن تتوقف. وإن هذه الحكومة التي كان لها الشرف أن تكون أول حكومة عربية إسلامية برئيس وزراء ينتمي لحزب إسلامي، إذا ما سقطت لأي سبب كان، داخليا أم خارجيا، فإن هذا السقوط سيكون بمثابة درس قاس وتحذير باللون الأحمر لكل حزب إسلامي أو مجموعة أو حركة إسلامية تسول لها نفسها أو تحلم بالوصول إلى حكم بلد عربي.
جامعة الإمارات
dralabodi@gmail.com