لكل عمل سياسي أصوله وقواعده التي تعكس تقاليد المجتمع الذي ينبع منه، فقد يقبل مجتمع ما أن تخرج في شوارعه مظاهرة للمثليين، بينما لا تقبل ذلك مجتمعات أخرى كثيرة.

وقد يقبل مجتمع ما أن تستخدم المعارضة السياسية أو حتى الحكومة الحاكمة ألفاظا نابية أو خارجة عن الآداب والتقاليد المتعارف عليها ويعتبرونها حرية شخصية، بينما لا تقبل ذلك مجتمعات أخرى، وكثيرا ما سمعنا رؤساء حكومات في إيطاليا يستخدمون ألفاظا وعبارات خارجة عن الآداب وبعضها يسب الرموز الدينية المسيحية.

وأيضا المعارضة الإيطالية تفعل ذلك ولا أحد يعترض، لأن المجتمع يتعامل مع هذه الأمور ببساطة. لكن المؤسف فعلاً أن تستخدم المعارضة في بعض مجتمعاتنا العربية والإسلامية ألفاظا وعبارات خارجة تماما عن حدود الآداب والدين والأخلاق.

وتعتبرها نضالاً سياسيا، الأمر الذي يجعل هذه المعارضة وكأنها تناضل من أجل قضية حق ولكن بأساليب باطلة تجعلها بعيدة تماما عن عقل ووجدان ونبض المجتمع.

أسوق هذا الكلام إشارة إلى أحد الأشخاص الذين يعتبرون أنفسهم أحد رموز المعارضة السياسية في مصر، ويعتبره للأسف الكثيرون من المعارضين السياسيين في مصر وفي بعض المجتمعات العربية شاعرا ومعارضا فذا، ولكن كيف يكون الشخص معارضا سياسيا يدافع عن قضايا شعبه ويزعم أنه يمثل هذا الشعب .

وأنه جاء من قاع المجتمع، وأنه شاعر يعبر بشعره عن آلام ومعاناة الشعب إذا كان لا يملك إلا أن يستخدم ألفاظا نابية خارجة عن كل حدود الأدب والأخلاق و يرفضها المجتمع.

ويعاقب عليها القانون، هذا الشاعر الذي يرتدي الزي البلدي المصري دأب منذ ظهوره على الساحة السياسية في مصر على استخدام أحط الألفاظ وأسوأ الكلمات سواء في كتاباته أو أحاديثه التليفزيونية التي كثرت بشكل ملحوظ في الآونة الأخيرة، والتي يتهجم فيها بألفاظ نابية على رموز المجتمع.

من البديهي أن تختلف المعارضة في مصر مع النظام الحاكم، وأن تستخدم كافة الأساليب للتعبير عن رأيها ومعارضتها لأخطاء النظام، و من الوارد أيضا أن تستخدم المعارضة أساليب يتصورها النظام الحاكم وأجهزة أمنه خارجة عن القانون ومثيرة للفوضى وضد أمن واستقرار الدولة.

ومن الطبيعي أيضا أن ينتقد المعارضون الرئيس مبارك، ولكن غير المقبول والمرفوض قطعا أن تستخدم المعارضة ألفاظا خارجة عن الآداب والأخلاق، ألفاظا تخدش حياء المجتمع والناس، حينئذ لا تكون هذه معارضة ولا ما تفعله نضالا ولا عملا سياسيا.

عندما يتفنن الشاعر في اختيار ألفاظ مخلة بالأدب ويتعرض بها لكبار المسؤولين في الدولة وأفراد عائلاتهم، ثم يكتب هذه الألفاظ على الورق وينشرها على الملأ فإنه حينئذ يكون قد اعتدى على الشعب نفسه الذي لا يقبل أن يسمع هذه الألفاظ تقال لا عن صديق ولا عن عدو، وعندما يتصور البعض أن هذه هي المعارضة .

وأن هذا هو النضال فإننا بهذا نكرس الأخطاء التي وقعت فيها قطاعات كبيرة من المعارضة المصرية طيلة ربع قرن مضى ولم تفق منها حتى الآن.

ومن أهم وأكبر أخطائها أنها عاشت بعيدة عن الشعب تماما قابعة في مقراتها المغلقة في القاهرة تتمتع بامتيازات وأموال تحصل عليها من النظام الحاكم الذي أفاقت مؤخرا لتعارضه، و ليس أدل على ذلك من أن الرموز التي تمثل هذه المعارضة كما هي لم تتغير ولم تغير أفكارها.

و هذا الشاعر كما هو منذ أكثر من ثلاثين عاما ليس لديه سوى هذه المفردات المخلة بالآداب، لم يتغير فيه إلا الجهة التي ينتمي إليها و تنفق عليه، فقد تحول من صفوف الطبقات الكادحة الفقيرة إلى صفوف رجال الأعمال والمليارديرات الذين يوجهونه حيثما يريدون، تارة يوجهونه ضد الفنانات المعتزلات المحجبات وتارة ضد دعاة الدين الشباب، وتارة ضد الرئيس وتارة ضد ابن الرئيس..

وهكذا، مما جعله شاعرا «متعارضا» مع المجتمع أكثر منه «معارضا» للنظام، وما أكثر أمثال هؤلاء الآن بين صفوف المعارضة المصرية، هذه الصفوف التي لا ننكر أنها تذخر بلا شك بالكثير من المناضلين الشرفاء أصحاب المبادئ والمثل العليا، والمؤمنون بالفعل بقضايا الشعب ومعاناته.

والذين لم يغريهم المال وأضواء الفضائيات، ولم يتاجروا بقضايا الوطن والمواطن، هؤلاء هم الأحق بقيادة المعارضة السياسية في مصر وليس الآخرون من المتقلبين مع الأمواج والآكلين على كل الموائد.