استفز نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني قيادة روسيا الاتحادية مرتين في الأسبوع الماضي المرة الأولى عندما شارك في اجتماع الدول المطلة على بحر البلطيق والبحر الأسود في (فيلنوس) عاصمة ليتوانيا.
وهي الدول التي كانت تشكل جزءاً من الاتحاد السوفييتي قبل انهياره وأصبحت الآن دولاً مستقلة وسياساتها أقرب إلى العداء من روسيا الاتحادية، فضلاً عن مشاركته في اجتماع مجموعة دول ميثاق الأدرياتيكي التي كانت جزءاً من يوغوسلافيا السابقة.
إضافة لألبانيا وجميعها حليف سابق للاتحاد السوفييتي أو على الأقل تفصلها هوة كبيرة عن الولايات المتحدة، وبدلاً من ذلك صار حلمها الآن الانضمام لحلف شمال الأطلسي واكتساب شرف عضوية منظومة الدول الأوروبية حتى لو كانت عضوية من الدرجة الثانية.
وانقلب حالها من رأس حربة للاتحاد السوفييتي في توازن القوى العالمي الذي كان قائماً إلى رؤوس حراب أميركية وأطلسية تشدد الخناق على روسيا الاتحادية وتحرمها من حدائقها الخلفية وتبقي بيتها (عارياً بدون حدائق ولا تهوية) ومهدداً من جيرانه وممن هم وراء جيرانه.
والاستفزاز الثاني هو اتهام الرئيس الروسي بوتين ونظامه بالتراجع عن الديمقراطية واستغلال موارد روسيا الهائلة من النفط (لابتزاز جيرانها) كما قال حرفياً، دون أن يبين أين الخلل بالديمقراطية السوفييتية وحسب أي معيار من معاييرها قاسها، ولم يسم الجيران الذين (تبتزهم) حكومة بوتين ولا وسائل الابتزاز.
ومن البديهي الافتراض أن نائب الرئيس لم يقع في هفوة أو خطأ أو تسرع وإنما عبر عن موقف أميركي رسمي مع تصور وتصميم مسبقين، فلم يكن اختيار المكان الذي أطلق فيه تصريحاته عبثاً أي (على حدود روسيا) .
ولا اختيار الزمان أي قبل شهرين ونيف من انعقاد مجموعة الدول الثماني في (بطرسبرغ) في شهر يوليو المقبل وهو الانعقاد الذي تبني عليه حكومة الرئيس بوتين الآمال باعتباره يجمع أغنى دول العالم على أرض روسيا التي تنتظر إجراءات ومواقف وقرارات من الاجتماع تساهم في حل بعض مشاكلها الاقتصادية.
انهار الاتحاد السوفييتي في مطلع التسعينات وتفكك شذر مذر إلى جمهوريات عديدة (مستقلة) ما لبثت أن تحولت إلى دول حيادية تجاه روسيا الاتحادية (الوريث القانوني للاتحاد السوفييتي) ثم إلى دول معادية لها وحليفة للقطب الوحيد الباقي في عالمنا بعد انتهاء الحرب الباردة.
وهو الولايات المتحدة، فجمهوريات الاتحاد السوفييتي الأوروبية (باستثناء روسيا البيضاء) توجهت غرباً وامتثلت للشروط الأوروبية التي لابد منها لدخول الفلك الأوروبي (الديمقراطية، اقتصاد السوق، قبول العولمة، الدخول في حلف الأطلسي، الخ) ومازالت تخضع في الواقع لمزيد من الابتزاز آخره مطالبتها بإعلان عدائها لروسيا قولاً أو فعلاً.
أما جمهوريات الاتحاد السوفييتي الآسيوية فقد شبت عن الطوق الروسي أيضاً ولكن بتحفظ، ومع ذلك قبلت إملاءات عديدة بما فيها إقامة قواعد عسكرية أميركية على أرضها لكنها لم تجرؤ لأسباب موضوعية على إغضاب روسيا.
وهكذا جردت السياسة الأميركية والنظام العالمي الجديد روسيا الاتحادية من مجالها الحيوي (ومناطق نفوذها) بل من الحزام الذي يفصلها عن الغرب الأميركي والأوروبي بعد أن تم تدمير النظام السابق تحت شعار إقامة نظام اقتصاد السوق والنظام الديمقراطي فطرحت المجمعات الصناعية الروسية .
وشركات النفط والطيران والمؤسسات الاقتصادية للبيع بالمزاد العلني ووقعت في نهاية المطاف بيد المافيا الروسية والأغنياء الجدد من العهدين القديم والجديد.
وجفت موارد الدولة وعم الفساد وساد الفقر والعوز والحاجة، ولم يعد وضع روسيا الاقتصادي واستطراداً الاجتماعي والثقافي والسياسي بأفضل من أوضاع بلدان العالم الثالث خاصة وأنه (لم يعد في الأرض غير الدمّن).وهكذا خسرت روسيا قوتها الاقتصادية ومجالها الحيوي ودورها الاستراتيجي العالمي.
واستيقظت الآن وإذا بها لا تملك شيئاً لا داخلياً ولا خارجياً يمكنه أن يساعدها على إعادة مجدها أيام الاتحاد السوفييتي عندما كان القطب الثاني في العالم ولا حتى على بقائها دولة متوسطة القدرة تلعب دوراً إقليمياً وعالمياً ولو من النافذة الخلفية.
إن كل ما بقي لروسيا الاتحادية من دور مؤثر في السياسة العالمية هو أسلحتها النووية وعضويتها الدائمة في مجلس الأمن (وحقها في استخدام الفيتو) وصناعاتها العسكرية القادرة على تزويد بعض دول العالم الثالث بالأسلحة.
وهذه القوى الثلاث تؤهلها للعب دور سلبي في السياسة العالمية لكنها لا تتيح لها أن تكون شريكاً في الاستراتيجية الكونية، التي تقتضي أن يكون للشريك اقتصاد قوي ومجال حيوي عالمي وأن يستطيع معارضة السياسة الأميركية ويقف بوجه فرض شروطها على مسيرة الاقتصاد العالمي وإلزام الآخرين بالعولمة وبشروط منظمة التجارة العالمية.
وأخيراً أن يكون له تحالفات مباشرة أو مداورة مع دول العالم الأخرى وتجمعاتها الإقليمية بمقابل تحالفات الولايات المتحدة، ولا تمتلك روسيا الاتحادية في الواقع معظم هذه الشروط وربما تفتقد لها كلها وهذا ما يدعو للقول إن قدراتها لا تتجاوز منع تنفيذ بعض الاستراتيجيات وليس صنعها، وفي لعب دور سلبي معيق لا المشاركة في مسار الأحداث العالمية.
وهذا يفسر موقفها المتلجلج من السياسة النووية الإيرانية أو الموقف المتفرج من العدوان على العراق أو لعب دور ثانوي في اللجنة الرباعية تجاه ما يجري في فلسطين أو في البلدان العربية الأخرى إضافة لتجاهل العربدة الأميركية في كل مكان من عالمنا بما في ذلك دول جوار روسيا نفسها.
لقد فشلت (بيروسترويكا) غورباتشوف ولم تستطع تحقيق التحول الديمقراطي والاقتصادي في الاتحاد السوفييتي، وفشلت (ديمقراطية) يلتسين في الحفاظ على ثروات الاتحاد السوفييتي وقدراته ودوره العالمي، ولم تستطع صحوة بوتين ومن حوله إصلاح الاقتصاد الروسي وحل المسائل الاجتماعية والاقتصادية المستعصية وإقامة تحالفات عالمية جدية وجديدة.
وحتى العلاقات الروسية الصينية مازالت متواضعة رغم الإمكانيات الهائلة التي يمكن أن يكون عليها تحالف البلدين، وفي الخلاصة لم تستطع روسيا تطبيق إصلاحات كما فعلت الصين إبان عهد (تنغ هسياو بينغ) وإحداث تحول جذري في إطار الحفاظ على تراكم التقاليد والقدرات الاشتراكية.
ولم تتحول إلى بلد رأسمالي صناعي متطور يستفيد من هذه التراكمات وخسرت بذلك (عنب الشام وبلح اليمن) وأصبحت محط استفزازات نائب الرئيس الأميركي دون أن تستطيع حكومتها الاحتجاج على هذه الاستفزازات واكتفت باتخاذ موقف فاتر منها بحجة ضرورة إنجاح اجتماع الدول الصناعية الثماني.
كاتب سوري
