«إذا لم تستح فافعل ما شئت» هذا التعبير هو أقل ما يمكن للمرء العاقل السوي في أي مكان في العالم ان يقوله وهو يطالع الأسبوع الماضي خبرا عن تحرك أعضاء في مجلس النواب الأميركي لتمرير مشروع حول ما أسموه «مكافحة الإرهاب الفلسطيني».

مشروع القرار يتضمن فرض عقوبات واسعة النطاق على الفلسطينيين ومنع أعضاء في المجلس التشريعي من دخول «الجنة الأميركية» إضافة إلى دعم خطة الحكومة الإسرائيلية الخاصة بالحل الأحادي في الضفة الغربية والتي تتضمن ابتلاع أراض فلسطينية واسعة واستكمال الجدار وإكمال السيطرة على القدس وتجميع المستوطنات الكبرى.

بعد قراءة مثل الخبر لا يعرف المرء هل يضحك سخرية أم يبكي قهراً... وإذا كان هذا المرء عربياً تزداد حيرته. فهل يخبط رأسه في أقرب حائط أمامه أم يتمنى لو كان مجنوناً حتى لا يعقل، أم يتخذ قراراً بأن يتحول إلى «مختل عقلي» على غرار الذين نقرأ عنهم في بعض المدن العربية في الفترة الأخيرة؟

أما الأكثر إثارة للدهشة فهو استغراب المسؤولين الأميركيين دائماً، وسؤالهم الدائم عن «لماذا يكرهوننا». ألا يكفي موقف كهذا للكراهية؟!

لو كان هناك حد أدنى من العدل، ولو امتلك هؤلاء النواب الذين يقفون خلف مشروع القانون الهزلي الأميركي حساً إنسانياً بسيطاً، ولو كانوا يطالعون الأخبار وحقيقة ما يجري لقدموا مشروع قرار حول «الإرهاب الإسرائيلي» وليس الفلسطيني.

لكن ولأن الحياة لا تسير بمنطق الحق أو العدل، بل فقط بمنطق القوة، بل والقوة الغاشمة السافرة المبلطجة، فمن الطبيعي أن نرى البعض يطالب بمكافحة الإرهاب الفلسطيني.

الازدواجية الأميركية بلغت حداً من السفور والفجور لم يعد أي عاقل يستطيع تحمله.

طالبت بالديمقراطية في المنطقة.. صدقها الفلسطينيون وذهبوا لصناديق الانتخابات، وقرروا التصويت لحركة حماس، فكانت النتيجة أبشع حملة حصار دولية وإقليمية لشعب بأكمله صدق مقولة الديمقراطية وتداول السلطة بناء على تصويت الناخبين.

إذا قتل جندي احتلال إسرائيلي أو مستوطن طفلاً فلسطينياً داخل منزله في الضفة وغزة، فهذا يسمى أميركياً أعراضا جانبية لدفاع الإسرائيليين عن أنفسهم... وإذا قاوم أحد الفلسطينيين الجندي الإسرائيلي المحتل والمستوطن المغتصب فهذا إرهاب واضح لا لبس فيه.

أن تمتلك إسرائيل ترسانة نووية ضخمة تكفي لتدمير مدن عربية بكاملها فهذا شيء عادي لا يستحق الالتفات، لكن أن تعلن إيران أنها تريد مشروعاً نووياً سلمياً وتحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، فهو أمر لا يغتفر أميركياً وأوروبياً، ويتم تجييش العالم بأكمله لوقف البرنامج الإيراني، لأنه ببساطة قد يمثل تهديداً لإسرائيل في لحظة ما.

تطالب أميركا كل العالم بفتح أسواقه وشركاته وخدماته أمام المنافسة والاندماج في العولمة القائمة على فتح الأسواق أمام الجميع، شركاتها الكبرى تغزو العالم وتسيطر على مفاصل رئيسية فيه، لكن ان تجرأ أحد وقرر أن يختبر هذه الأقوال بالاستثمار في الأرض الأميركية، فهذا ممنوع تماماً.

تطالب الإدارة الأميركية كل بلدان العالم باحترام حقوق الإنسان والأقليات، لكن إذا ذكرها أحد بأن احتلال بلد مثل العراق هو أكبر اعتداء على حقوق الإنسان تمارس سياسة «التطنيش»، وإذا ذكرها آخر بأن الممارسات.

في سجون أبوغريب وبوكر وغوانتانامو وباجرام ومزار الشريف وجانغي والسجون السرية الطائرة في أوروبا ترد عليه بأن ما يحدث فيها هو ممارسات فردية بسيطة.

التفسير الوحيد لكل هذه البلطجة غير المسبوقة التي يقف خلفها غلاة اللوبي الصهيوني في مفاصل القرار الأميركي هو فلسفة القوة التي يؤمن بها المحافظون الجدد، ولذلك فإن أي انتقادات للسياسات الأميركية من قبل أفراد أو شعوب أو قارات لا تفرق كثيراً لدى واشنطن.

لو كان هؤلاء الذين قدموا مشروع القرار الكوميدي لمجلس النواب الأميركي يدركون أو حتى يستشعروا ان العرب مثلاً سيقررون مقاطعة بضائعهم إذا ساروا في مشروع القرار لتوقفوا فوراً، الإدارة الأميركية نفسها لو شعرت في أي لحظة من اللحظات ان مصالحها ستصبح مهددة إذا استمرت في انحيازها السافر لإسرائيل لغيرت فوراً من سياستها.

لو اتخذ العرب على سبيل المثال قراراً بوقف شراء طائرات «بوينج» وفضلوا عليها «اير باص» ما كنا لنشهد مثل هذا التجبر الأميركي علينا، لو فكرنا بهذا المنهج في سلع كثيرة وأسلحة أكثر نشتريها من أميركا وندعم بها الاقتصاد الأميركي ما كنا لنعيش في هذه الحالة.

لو من «الشيطان» كما يقولون، ولا تنفع بالمرة تفسيراً للسياسة، لكن المرء العربي العاجز لا يجد سواها وهو يرى الحالة تسوء من سييءإلى أسوأ. أسلحة العرب كثيرة ومتعددة.. لكنها للأسف معطلة عن جهل حيناً وعن عمد أحياناً.

إذا قدر للكونغرس الأميركي تمرير مثل هذا القانون الخاص بمكافحة ما أسماه «الإرهاب الفلسطيني» فقد يأتي يوم قريب نرى فيه قوانين أميركية نافذة تطالبنا بحب أميركا وإسرائيل وتحدد لنا طريقة الوضوء وعدد الصلوات ونوعية الآيات التي نقرأها، وكيفية معاملة الزوجة.. ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم.

emadiraqi@yahoo.com