نشرت صحفنا قبل أيام خبراً مفاده أن هناك ارتفاعاً ملحوظاً في نسبة الإصابة بالسرطان سنوياً بين المواطنين، وأن معدل هذه النسبة بلغ حوالي ألف وثمانمئة حالة سنوياً.
المعلومة بطبيعة الحال مخيفة ومقلقة، لأن النسبة المطروحة فيها في عدد الإصابات نسبة يجب أن تجعلنا نقرع أجراس الخطر. ففيها أولا رقم غير عادي لحجم الإصابات بين المواطنين.
والذين هم في الأساس لا يشكلون إلا النسبة الأقل من تعداد سكان هذا البلد، وهي ثانيا نسبة تدفعنا للتساؤل عن أسباب الارتفاع هذا وعن نوعية الحلول، إن كانت موجودة، المطروحة لمواجهة مثل هذه الكارثة.
فالذي يعرف حجم ومدى المعاناة التي يعيشها، سواء الإنسان المصاب بهذا المرض أو القريبون منه، يعرف ما معنى خطورة أن يصاب الشخص بمثل هذا الداء، وكوننا أصبحنا نسمع بإصابات السرطان في هذا البلد كما نسمع بإصابات الزكام مسألة لا يجب أن نتعامل معها وكأنها شيء عادي لأن ما نتحدث عنه مرض يفتك بحياة الإنسان والارتفاع في نسبة الإصابة به، وهو ارتفاع غير عادي، يجب أن يجعلنا كلنا في حالة بحث وتفكر. إذ لا نعتقد أن المبررات التي نسمعها أو نقرأ عنها تعطينا إجابات شافية أو مقنعة بالدرجة الكافية.
من المعروف أن غالبية الإجابات الطبية في مثل هذه الحالات تركز على دور الوراثة في التأثير على عامل الإصابة بمثل هذه الأمراض، أو غيرها وهي إجابات لا نستطيع أن نقلل من أهميتها، لكن السؤال الذي يبقى معلقا حولها هو أولا، ما الذي يجعل هذه العوامل الوراثية في ازدياد أو يتدخل في تنشيطها أو تثبيطها؟
وثانيا هل تلعب الدوائر الطبية دورا في التقليل من إدراك الإنسان بالعوامل الأخرى، إن وجدت، في الإصابة بمثل هذه الأمراض، أو غيرها في عالم اليوم الذي تسود فيه في الكثير من البلدان ظاهرة تغليب المصالح الاقتصادية على المصالح الإنسانية، لم يعد حتى الطب تلك الجهة النزيهة التي يعتمد على استقرائها لأمور الصحة العامة للإنسان.
خاصة حين ندرك أن الطب صار مربوطا بدرجة كبيرة بمؤسسات صناعة الأدوية وهي مؤسسات ربحية بالدرجة الأولى، وليس من شعاراتها البحث عن أساليب تعزيز صحة الإنسان، بل ربما يكون من أهدافها الخفية البحث عن تعزيز الأمراض. لأن هذا هو المصدر الأساس لأرباحها الخيالية.
كما أن معظم الأطباء اليوم باتوا يجدون شيئاً من الراحة في الاعتماد على إجابة «عامل الوراثة» لأن هذه الإجابة تعفيهم من الدخول في متاهات قد لا يستطيعون التعامل معها.
مثل الاعتراف بأنهم لا يعرفون إجابات دقيقة للعوامل الكثيرة التي تلعب دورا مهماً في إصابة الإنسان بالأمراض المختلفة، مثل نوعية الحياة التي يعيشها الإنسان، بما فيها نوعيات الأكل أو الهواء الذي يتنفسه أو الضغوطات النفسية التي يتعرض لها في الحياة اليومية، بما فيها ضغوطات العمل، والتي صار معروفا أنها تسبب في الإقلال من درجة مناعة الإنسان، أو أن يعترف الطب بموضوع التأثر بالطاقات غير الخاضعة لأساليب «القياس العلمي» مثل العين والحسد وغيرهما.
وهي كلها أسباب قد تلعب دورها في الإصابة بالأمراض المختلفة، لكن الطبيب ربما لا يعترف ببعضها لكونها خارجة عن نطاق علمه (مثل وجود الطاقات غير المعروفة لديه) أو أن يلغي الإقرار ببعضها الآخر، مثل الاعتراف بعوامل التلوث في الهواء والماء والغذاء، لأنها قد تضعه في مواجهة المسؤولية الأخلاقية التي يفترض أن يشعر بها في مثل هذه المواقف.
إن ارتفاع نسبة الإصابة بأمراض السرطان بين المواطنين ونوعياتها تتطلب اليوم، وقبل أن يصل التدهور فيها إلى درجات أكثر خطورة، أن يبدأ القائمون على شؤون هذه البلد بإنشاء مراكز بحثية متخصصة ومتعددة التوجهات للنظر في حجم هذه المشكلة ودراستها.
هذه، في اعتقادي، أول وأهم الخطوات التي يجب أن تتخذ، بشرط أن لا تقتصر هذه المؤسسات البحثية على النظر في الأمور القابلة للقياس فقط، مثل دراسة العوامل الجينية ودورها في الإصابة بالأمراض المختلفة.
بل يجب أن تكون لمثل هذه المؤسسات نظرة شمولية تأخذ العوامل المختلفة للإصابة بالأمراض بعين الاعتبار، مثل أن تنظر في البيئة المحيطة بالإنسان، سواء أكانت هذه البيئة هي البيئة الطبيعية أو البيئة الإنسانية.
حيث انه من المعروف اليوم في الدراسات التي أجريت في بلدان أخرى حول مثل هذه الظواهر أن البيئة الطبيعية، في حال اختلالها، تكون مسؤولة عن تعرض الإنسان للإصابة بالأمراض المختلفة.
فعامل التلوث في الماء أو في الغذاء أو في الهواء، مثلا، من العوامل التي تم الإقرار بأنها تلعب دوراً مهماً جداً في إصابة الإنسان بالأمراض المختلفة، مثل الإصابة بأمراض الأجهزة التنفسية أو السرطان (لعل الأمر في الحقيقة شكل من أشكال انتقام الطبيعة حين يفسدها الإنسان فتعيد سمومه إليه).
العامل الآخر الذي أصبحت بعض الجهات العلمية في دول مختلفة من العالم لا تنكره هو الدور الذي تلعبه الحالة النفسية للإنسان في صحته وفي مرضه.
لقد بات معروفا اليوم في الكثير من الجهات أن الإنسان الذي يتمتع بصحة نفسية جيدة والذي يعطي لنفسه حق الاهتمام بها في أبعادها المختلفة، بما في ذلك البعد الروحي، أقل عرضة للإصابة بالأمراض، أو أكثر قابلية للشفاء من الذي لا يعير اهتماما لهذه الأبعاد.
الأطباء الذين يدركون هذه العوامل هم أيضا أكثر فاعلية في معالجة مرضاهم من أولئك الذين لا يقرون بها (من الغريب مثلا أن نسمع أن أطباء في دول لها تاريخ طويل في العلمانية وإلغاء الجانب الروحي من حياة الإنسان يعترفون بدور الدعاء في شفاء الإنسان ولا يقر به أطباء من المفترض أنهم ينتمون لثقافة يظن أنها لم تفتقر بعد للبعد الروحاني).
إن وجود جهات بحثية معنية بهذا الأمر، ومستقلة استقلالا كاملا في ما تتخذه من قرارات وما توفره من معلومات أصبح أكثر من ضروري. إذ لا فائدة من إنشاء مراكز للبحوث، في مجالات الأمراض أو البيئة أو الصحة العامة للإنسان، بما فيها صحته النفسية، إن كنا سنتعامل مع نتائجها على أنها سرية أو مرتبطة بشؤون أصحاب القرار وليس العامة من الناس.
للإعلام أيضا دوره المهم في هذه المسألة. فحين ندرك أن هناك عوامل تهدد صحة الإنسان في هذا البلد وتعرضه للمعاناة الكبيرة نجد أن من واجب مؤسسات الإعلام أن تؤدي بعضا من واجباتها الأخلاقية، ألا وهي توفير المعلومات الصحيحة والكافية لجمهورها في مثل هذه الحالات.
والذي يشعر بحجم الدور غير الفعال، أو حتى أحيانا السلبي، لمؤسساتنا الإعلامية في تحملها للمسؤولية الأخلاقية لوجودها، يعرف أن كثيرا من القائمين على شؤون الإعلام بعيدون عن الاهتمام الحقيقي بما يقلق الناس في حياتهم اليومية، أو حتى مصيرهم ووجودهم، ولن ندخل في تفاصيل يعرفها معظمنا حول هذه المسألة.
فقط نقول على الإعلام ان يكون أكثر شعورا بالمسؤولية تجاه الناس، وأن يستعيد دوره في البحث عن الحقائق، والتحيز لها، فهذا هو ما يميز إعلاما عن غيره. وعسى أن لا نسمع عن زيادة في أرقام الإصابة بالأمراض، وأن لا تصيبكم ومن تحبون إلا الصحة والعافية.
جامعة الإمارات