على مدى العقود الثلاثة المنصرمة، واجهت الولايات المتحدة محاولتين إيرانيتين للصعود إلى موقع الدولة العظمى في منطقة الشرق الأوسط، وتمكنت من إجهاضهما في المرتين بأدوات وموارد وآليات من المنطقة نفسها، من داخل إيران ومن خارجها.

كانت المرة الأولى بقيادة الشاه الراحل الذي وظف أموال النفط الغزيرة مستغلاً ارتفاع أسعاره، في مطلع السبعينات من القرن المنصرم، في بناء ترسانة عسكرية ضخمة لا مثيل لها لدى دول الجوار، واستلهم من تاريخ الإمبراطورية الفارسية دوافع النهوض لفرض دولته كقوة إقليمية في الشرق الأوسط وشرطي يفرض الأتاوات في منطقة الخليج العربي الغنية بالنفط.

فعمدت الولايات المتحدة إلى وأد هذا الطموح بسحب البساط من تحت قدميه مفسحة بذلك المجال للمعارضة الدينية القوية، بقيادة الخميني، للإطاحة بنظام حكمه في عام 1979.

وكانت المرة الثانية بقيادة الخميني بعد شهور قليلة من نجاح الثورة الإسلامية، التي لم تخف عداءها الصريح للولايات المتحدة ولم تخف كذلك، نواياها في تصدير الثورة إلى دول الجوار والتوسع نحو الغرب. كانت ثروات العراق ودماء أبنائه هي التي وُظفت،

للتصدي لهذه المحاولة، في حرب ضروس دامت ثماني سنوات، فقدت فيها إيران قدرات التقدم وتحقيق الطموح في الصعود، وفقدَ العراق فيها فرص التقدم والازدهار، فقد أغرقته تلك الحرب بديون ثقيلة.

والآن نحن نشهد الصعود الثالث لإيران، في زمن جديد، ليس فيه معارضة داخلية أو خارجية يمكن توظيفها للتصدي للنظام القائم الذي يجدد الخطاب الخميني على لسان رئيسه الجديد أحمدي نجاد، وليس هنالك جار قوي يمتلك جيشاً جراراً،

كما كان حال العراق عام 1980، جاهزاً للدخول في مغامرة كبيرة كالتي دخلها من قبل. إن ما نشهده هو صعود من نوع جديد، فإيران لا تسعى لأن تكون دولة تقليدية عظمى في المنطقة،

وإنما دولة نووية عظمى تفرض معادلات سياسية جديدة في منطقة الشرق الأوسط التي اختل فيها التوازن العسكري بعد هزيمة القوات العراقية في حرب الخليج الثانية عام 1991.

هنالك ثلاثة أسئلة مهمة تواجهها الإدارة الأميركية تتعلق بالأزمة الإيرانية، الأول: من سيقوم بتجريد إيران من قدرات الصعود نحو الموقع الذي تتطلع إليه؟ وكيف سيتم ذلك ؟. الثاني: من سيدفع تكاليف هذه العملية؟ وهي تكاليف

قد تكون باهظة في هذه المنطقة الملتهبة. والثالث: ما هو التأثير الذي ستتركه المواجهة المرتقبة على المشروع الأميركي في الشرق الأوسط الكبير؟ احتل الملف الإيراني أهمية خاصة في السنوات الأخيرة، ويزداد الاهتمام به كلما اقتربنا من ساعة إعلان القرار الذي سيتخذه مجلس الأمن الدولي،

حيث تتصارع الإرادات وتلوى الأذرع للخروج بما يرضي الولايات المتحدة وحلفاءها الغربيين الذين يسعون إلى إصدار قرار تهديدي واضح، وبما لا يلحق الكثير من الأضرار بمصالح كل من روسيا والصين، الدولتان اللتان تعارضان بشدة فرض العقوبات على إيران أو القيام بعمل عسكري ضدها.

فمن المستبعد أن توافق الصين أو روسيا على تضمين البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة الذي يتيح جميع الخيارات وبضمنها استخدام القوة، أو تضمين نص يشير إلى خطورة البرنامج النووي الإيراني على أمن المنطقة في مشروع القرار المزمع اتخاذه.

إذ فشلت عدة اجتماعات بين وزراء خارجية الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن في التوصل إلى صيغة مرضية.كما أن من المستبعد، في الوقت نفسه، أن تقوم الصين باستخدام حق الفيتو، حيث صرحت بذلك، عند ذاك يصبح الموقف الروسي حاسماً،

فإن حذت روسيا حذو الصين فسيمر القرار بأغلبية الأصوات ويصبح ملزماً للأسرة الدولية، أما إذا استخدمت حق الفيتو لإبطاله، عند ذاك تخسر الولايات المتحدة الغطاء الشرعي الدولي لما تنوي القيام به وتربح إيران دبلوماسياً. ولكل من هذه المواقف حساباته في الربح والخسارة لدى روسيا والصين.

ولكن التشدد والتلويح باستخدام القوة الذي تسعى الولايات المتحدة وحلفاؤها إلى تضمينه في قرار مجلس الأمن لا يخفيان جهودها الرامية إلى تحشيد وسائل وأدوات أخرى، قد تكون فاعلة على الأمد الطويل، وأبرزها فرض العزلة على إيران ومحاصرتها مالياً واقتصادياً.

إذ رغم تلويح مسؤولين كبار في الإدارة الأميركية بعدم استبعاد أي من الخيارات المطروحة، إلا أن هنالك أحاديث من نوع آخر نسمعها من مسؤولين كبار آخرين. فهذا جون سنو وزير الخزانة الأميركي يقول في تصريح له، قبل أيام قليلة، في تعليق على آخر الجهود المبذولة في الشأن الإيراني « عندما تواجه الولايات المتحدة تهديداً لا تتمكن من معالجته دبلوماسياً،

وحينما لا يكون العمل العسكري خياراً مطروحاً، فإن أفضل الوسائل المتاحة لتسليط الضغوط وإحراز نتائج ملموسة هي الحصار والعزل المالي ». فمن ضمن الإجراءات المتوقع أن تتخذها الولايات المتحدة وضع استراتيجية واسعة تهدف إلى إقناع الحكومات والبنوك والشركات،أو تسليط الضغوطات عليها، لعزل الحكومة الإيرانية ومحاصرتها مالياً.

وقد استطاعت الولايات المتحدة فعلا، في يناير الماضي، إقناع مصرفين أوروبيين كبيرين (يو بي إس، الاعتماد السويسري) بإنهاء علاقاتهما المالية مع إيران. إلا أن إيران دولة كبيرة لها مصالح اقتصادية متنوعة ومتشابكة في المنظومة المالية العالمية،

كما أن لها حضورا مهما في أسواق النفط، وليس من السهولة فرض حصار مالي واقتصادي عليها دون أن يكون له تداعيات كبيرة على مصالح الكثير من الدول التي ترتبط بعلاقات اقتصادية واسعة معها.

فوفق تقرير صندوق النقد الدولي، بلغ حجم الصادرات الإيرانية لعام 2005 مبلغاً قدره 51 مليار دولار وبلغ حجم وارداتها 48 مليار دولار.ليس هنالك من شك في أن الطموحات الإيرانية النووية هي إحدى نقاط الاحتكاك الساخنة مع الولايات المتحدة ولكنها ليست الوحيدة،

فالأزمة العراقية في تفاقم مستمر، خلال السنوات الثلاث الماضية، ما أقنع الولايات المتحدة إلى الإعلان صراحة عن رغبتها في إجراء مفاوضات مباشرة مع إيران منعاً للمزيد من التدهور، معترفة بذلك بعدم قدرتها على إلغاء الدور الإيراني في الشأن العراقي.

كما أن مساندة إيران لحكومة حماس الفلسطينية التي تسعى الولايات المتحدة جاهدة إلى عزلها، ودعمها لحزب الله اللبناني، هما أيضا بؤر صراع ملتهبة في المنطقة تدخل إيران فيها كطرف لا يمكن تجاهله.

إن سياسة حافة الهاوية التي تنتهجها إيران لها أمد زمني محدود، فقد اقتربنا كثيراً من النقطة الحاسمة التي قد تقرر إيران بعدها المضي قدماً في برنامجها غير عابئة بالإجراءات التي سوف تتخذ بحقها،

أو تنكفئ وتتراجع أمام الضغوطات الدولية تلافياً للنتائج التي تترتب على رفضها للقرار المتوقع صدوره عن مجلس الأمن وتستفيد من العرض الروسي الخاص بتخصيب اليورانيوم في الأراضي الروسية، إذ لم يُرفض هذا العرض بشكل رسمي من قبل الحكومة الإيرانية.

كاتب عراقي

majamal@emirates.net.ae