من ملابسات أجندة السياسة الراهنة.. تلك الهوامش التي رصدناها مؤخراً على دفتر الزيارة التي قام بها الرئيس الصيني هو جنتاو إلى أميركا في أواخر أبريل الماضي. ومن مفارقات السياسة الراهنة أيضا أن تلك الهوامش جاوزت متن الزيارة من حيث الأهمية ومن حيث توقعات المستقبل.

صحيح أن متن الزيارة الرئاسية، ومن ثم دفتر العلاقات الصينية - الأميركية سجّل فتوحات صينية وخاصة في مدينة سياتل التي استقبلت الضيف الكبير القادم من بكين، لا بوصفه فقط رئيسا لأكبر دولة في العالم من حيث حجم السكان..

ولكن سياتل استقبلت السيد جنتاو قادما إليها في ثوب التكنوقراط الذي يحمل حقيبة سامسونايت غير مرئية أو في هيئة خبير المشتروات الذي جاء وفي جعبته أكثر من عقد وأكثر من عرض وأكثر من اتفاق تدخل به بلاده أو بالأدق توغل الدخول إلى حد الاقتحام في عصر ثورة الحواسيب الالكترونية.. خاصة وأن سياتل هي عاصمة الحواسيب وأريكة نفوذ السيد بيل جيتس قيصر الثورة الالكترونية في العالم المعاصر.

وهناك من مراقبي الشأن الأميركي من بَالغ في وصف النفوذ الصيني في دوائر السوق والبورصة وفي دوائر المال والأعمال بالولايات المتحدة لدرجة أن أطلقوا على هذا النشاط وصف: «العاصفة الحمراء» على حد ما سجله الصحافي آدم بروكس مراسل إذاعة البي. بي. سي بالعاصمة الأميركية، وأيضا لدرجة أن هذا البعض بات يعلن أن العملاق الآسيوي الأصفر بات يمتص الدماء من شرايين الاقتصاد الأميركي ومن ثم لا يمكن السكوت عليه.

على الجانب الآخر من القضية.. هناك من باتوا يتحسبون للمراحل الصعبة القادمة من تطور العلاقات الأميركية - الصينية لدرجة أن واشنطن بدأت تشهد مدارس ابتدائية تعلم لغة الصين ويفخر مديروها بأن تلاميذهم في السابعة من العمر أصبحوا قادرين على العدّ من واحد إلى عشرة باللغة الصينية على حد ما يقول مراسل آخر للإذاعة البريطانية هو جاستون ويب.

بيد أن هذا كله لم يعد يُخفي الهوامش الأشد خطرا التي رصدناها على دفتر زيارة الرئيس الصيني الأخيرة - وهذه الحواشي تلخصها عبارة محورية واحدة هي: «مستقبل إمدادات الطاقة النفطية»، بين احتياجات أميركا الراهنة وسط أسعار متزايدة وبين احتياجات متطلبات النمو السريع في الصين التي تتطلع بشراهة ملحوظة إلى زيادة استهلاكها من هذا المورد الاستراتيجي الذي لا غنى عنه بداهة لأغراض النمو والتقدم.

وقد نلاحظ أيضا، في هذا الخصوص، أن البند رقم واحد على أجندة الرئيس بوش كانت تلخصه بدورها عبارة «بحث شهية الصين المفتوحة للبترول» على نحو ما كتبت نيويورك تايمز (19/4).

إلا أن المعلومات التي رشحت عن نتائج مباحثات بوش - جنتاو بدت وكأنها لم تحقق أي هدف معقول ولا أي إنجاز ملموس في هذا المضمار، وفي كل حال فالقوم في واشنطن يأخذون مستقبل وتوقعات الطاقة الصينية على محمل شديد الجدية، خاصة وأن البترول - كما هو معروف - سلعة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالاستراتيجيات السياسية وبعلاقات الدول ومكانتها على خارطة العالم.

وقد يفيد أن نسترعي النظر في هذا الخصوص إلى تقرير أميركي شديد الأهمية نشرته مؤخرا مجموعة من الخبراء والسياسيين تحت العنوان التالي «حرروا أميركا»، ويهدف واضعوه - أو بالأدق يدعون - إلى اتخاذ خطوات عاجلة وعملية لخفض احتياجات أميركا من النفط الوارد من الخارج (تخفيف الإدمان النفطي كما يسمونه) خاصة وأن الغريم الصيني سوف يدخل حلبة المنافسة مع واشنطن..

ولن يزاحمها وحسب في مجال الحصول على الإمدادات بل سوف يتعدى الأمر - بمنطق الأحداث - إلى إلحاق الضرر باستراتيجيات أميركا في هذه المنطقة أو تلك من العالم (تأمل مثلا محاولات أميركا الحالية من أجل استصدار قرار دولي بفرض عقوبات على إيران بشأن قضية نشاطها النووي، وذلك في ضوء تحفظ الصين بوصفها عضوا دائما في مجلس الأمن والسبب هو علاقات الصين النفطية مع طهران التي تفاوضت مع بكين في عام 2004 على صفقة استغلال حقل يادا فاران بمبلغ 70 مليار دولار).

وليس أدل على ارتباط الاحتياجات النفطية بالأمن القومي من مجرد مطالعة أسماء واضعي التقرير الأميركي الذي ألمحنا إليه وهم مجموعة من أهم خبراء الأمن والاستخبارات في الولايات المتحدة وفي صدارتهم تقرأ أسماء السيد جيمس ولسلي المدير الأسبق للمخابرات المركزية.

وروبرت ماكفرلن مستشار الأمن القومي الأسبق في البيت الأبيض (مجلة الشؤون الأمنية الدولية، عدد ربيع 2006). والطريف أن الدوائر الصحافية الأميركية لم يفتها أن توجه الانتقاد إلى الطرف الأميركي الذي كان يستعد قبيل الزيارة لتوجيه نصيحة إلى المنافس الصيني بأن يقلل من استهلاكه للنفط ما استطاع إلى ذلك سبيلا..

نشرت نيويورك تايمز افتتاحية لا يمكن ترجمة عنوانها سوى بترديد صدر بيت الشعر العربي القديم الذي يقول: لا تنه عن خلق وتأتي مثله وفي هذه الافتتاحية (عدد 20/4) تشير الصحيفة إلى الرئيس الأميركي بقولها: كيف يتجاسر زعيم بلد يستهلك أكثر من 20 مليون برميل بترول يوميا على تحذير أو نصيحة زعيم بلد (زائر) يستهلك 6,5 ملايين برميل يوميا لا غير؟

ثم تستدرك التايمز قائلة، «مع ذلك علينا أن نعترف بأن الصين بحجم سكانها المهول تمثل حالة تدعو إلى الانزعاج الشديد.. لقد فاقت اليابان لتصبح ثاني مستهلك للنفط في العالم ويقدر أن تزيد احتياجاتها النفطية بنسبة 150 في المئة بحلول عام 2020.

وتحولت الصين من ركوب الدراجات إلى امتطاء السيارات لدرجة أنها قد تملك في عام 2030 عددا من السيارات يزيد على سيارات أميركا نفسها»، وتخلص التايمز إلى أن تقول «إن هذا الوضع (بكل خطورته) يضع العالم أمام واحد من خيارين، إما أن نعمد إلى ترشيد إدارتنا للموارد المتاحة من الطاقة، وإما أن نبحث لأنفسنا عن كوكب آخر نعيش فيه بخلاف كوكب الأرض».

كاتب مصري