يخاطب الفن منذ الأزل الروح والوجدان، ولا علاقة له بالجسد أو الغرائز. وقد نظر القدماء إلى الفن بوصفه غذاء الروح. أما الجسد فتتم تغذيته وإشباعه بوسائل أخرى مختلفة ليس الفن من بينها.

والفن كلمة فضفاضة، تشمل معاني كثيرة، وتتجلى من خلال مظاهر كثيرة أيضًا، كالشعر الذي قد يُنشَد وقد يُغنى، والنثر الذي قد يُقرَأ (رواية، قصة، مسرحية)، وقد يُشاهد في صورة دراما تلفزيونية أو فيلم سينمائي أو عرض مسرحي، بالإضافة إلى الرسم، وغير ذلك.

وكل هذه الفنون، بأشكال كتابتها وتلقيها المختلفة كانت تسعى في السابق لأهداف محددة، أهمها الرقي بأخلاق المتلقي، وحمله على التحلي بمكارمها، وتجنب رذائلها، وكذلك نقد الواقع الاجتماعي أو السياسي أو الاقتصادي، وكل نص لا يسعى لتحقيق شيء من هذه الأهداف لا يمكن أن يُدرج ضمن دائرة الفن، بل يُعدّ من هذر الكلام.

مؤخراً نستطيع أن نلمس تحولاً في النظر إلى دور الفن بأشكاله ومظاهر تجليه المختلفة، ويبدو ذلك من خلال ما يقدم عبر القنوات الفضائية المتوالدة والمتزايد عددها يوماً بعد الآخر. فهذه القنوات تقدم لنا يومياً أعداداً هائلة من الفنانين ومن المحسوبين على الفن، وهؤلاء المحسوبون على الفن يقدمون مواد مصنفة عندهم تحت اسم (الفن).

ولكنها أبعد ما تكون عنه، بحيث تجعلنا في حيرة أمام احتمالين: إما أن يكون مفهوم الفن ودوره قد تغيرا، أو أن يكون هؤلاء الفنانون الجدد يعرفون من الفن ما لا نعرفه نحن.

ويحق لأي مشاهد ومتابع لأي قناة فضائية تبثّ الأغاني المصورة بطريقة (الفيديو كليب) أن يتساءل عن الهدف الذي تسعى أي أغنية إلى تحقيقه. ومما يؤسف له أننا لا نجد هدفاً في معظم ما يُقدم عربياً إلا ما يمكن إجماله بكلمة واحدة هي (الإثارة)، فهل أصبحت (الإثارة) هدفاً يسعى إليه عدد هائل ممن يُحسبون على الفن؟ وهل انتهت الأمور المهمة في عالمنا العربي حتى أصبحنا نبذل المال والجهد، ونسخر القنوات الفضائية لتحقيق هدف كهذا؟ وهل انحدر دور الفن ورسالته ليصل إلى هذا المستوى؟

إن انتشار الأغاني والدراما التي لا تهدف إلا للإثارة فيه مفسدة كبيرة، سيطال أثرها أجيالاً متعاقبة، ولن يقف عند جيل واحد أو أفراد معدودين فيه، وسيكون من أهم الآثار السلبية المترتبة على هذا الفساد تشكيل الملامح الفكرية والثقافية والنفسية للأجيال العربية القادمة ضمن إطار محدد، وحصر اهتماماته في مسائل الجسد والغرائز، وإبعادهم عن الاهتمام أو الوعي بالقضايا المهمة.

فإذا كان الفن في السابق قد عمل على توعية المتلقي العربي وتبصيره بأهم قضاياه المصيرية، وتعرية الحقائق الغائبة أو الملتبسة أمامه، فإن الفن الآن لا يقدم أكثر من الابتذال جاعلاً منه رسالة مقدسة لا يتردد أرباب الفن وأساطينه في الإعلان عنها والتبجح بها.

ويمكن ألا نعجب من وجود ثلة من أدعياء الفن والمنتسبين إليه ممن لم يملكوا يوماً الموهبة ولا ما يشبه الموهبة، ولكن العجب في وجود معجبين بهؤلاء الذين لا يعرفون عن الفن سوى اسمه، ولا يمتلكون سوى القشرة الخارجية التي تكون قد أخضعت لمراحل تجميلية عدة قبل أن تظهر أمام الناس.

كما يحق لنا أن نعجب من تزايد أعداد المعجبين بهؤلاء المنتسبين إلى الفن، بل ووجود معجبين لهم من فئات عمرية تتجاوز مرحلة الشباب بكثير، تبارك المستوى الذي وصلت إليه الأغنية العربية فنياً وتقنياً حتى أصبحت تنافس نظيرتها الغربية، وكأن المهم هو أن نأخذ من الغرب التقنيات الفنية فقط، دون أن تكون كيفية توظيفها بما لا يؤثر على هويتنا، ولا يفسد ذائقتنا، ولا يخرّب شبابنا وأبناءنا مهمة.

أعتقد أن الذي يقلّب نظره بين الفضائيات المختلفة لن يستطيع أن يفرق كثيراً بين العربي منها وغير العربي، لأن معظم ما يُقدّم اليوم عربياً أصبح نسخاً مما يُقدّم في الفضائيات الغربية، ويمكننا أن نقول إنها نسخ مشوّهة، لأنها في الفضائيات الغربية تأتي متناسقة مع البيئة التي أنتجتها، أما في الفضائيات العربية فإننا لا نستطيع أن نتحرر من فكرة أن هذا الذي يقدّم لنا لا يعبر عنا، ولا يتناسب مع مرجعياتنا، وما تشكلت ذائقة معظمنا ـ ممن أدرك زمن الوعي ـ عليه.

إننا في زمن التهجين، حيث لا يوجد شيء أصيل إلا ولُوّث أو شُوِّه، وفي الوقت الذي نقرّ فيه بضرورة التبادل المعرفي والعلمي والثقافي والفني مع الآخر، بأن نأخذ منه ونعطيه، فإننا يجب أن ندرك أن لهذا التبادل أصولاً وحدوداً، وأن نعلم أن الآخر لا يأخذ منا -حين يأخذ- إلا ما يزيده قوة على قوته، وما يقدم له فائدة إن لم تكن آنية فنتائجها المستقبلية تكون بالنسبة له مؤكدة أو شبه مؤكدة، لكننا نسعى دائماً إلى أخذ القشور.

خصوصاً في بعض الجوانب، كالجانب الفني مثلا، فنسعى إلى الإفادة من التقنيات مثلاً ونغفل الجوهر أو لا نبالي بتأثر الجوهر والمضمون سلباً، لدرجة أن تصبح بعض الأغاني، والمسلسلات الدرامية، والبرامج المختلفة نسخاً عربية غالباً مشوهة للنص الأجنبي الأصلي، لأنها تفتقد روحها التي تضيع بمجرد أن يتمثلها شخص من خارج التجربة الحقيقية، حتى إن كان فناناً موهوباً، فما بالنا بهذه الأعداد الغفيرة من فناني الساعة الذين يتوالدون في كل لحظة دون أن يمتلكوا الموهبة في زمن لم تعد فيه شرطاً أساسياً لولادة الفنان كما كانت من قبل.

وفي ضوء ما تقدم أعتقد أننا يجب أن نخطو خطوات إيجابية لإعادة الفن إلى طريقه القويم، بحيث لا يقدم إلا ما يفيد المجتمعات العربية، وما يساعد على ترسيخ قيمنا الأصيلة وتشذيبها من كل دخيل لا يتناسب معها، وأن نحرره من حالة الانبهار بالنموذج الغربي التي تجرده من الإحساس بخصوصية هويته، وباختلافه عن غيره بل بتميزه عنه، حيث يدفعه الإحساس بالتميز إلى محاولة نشر ثقافته التي تعبر عن هويته لأنها تستحق منه أن يعرّف بها وينشرها.

جامعة الإمارات