ما حدث في البصرة يوم السبت الماضي ينسف مقولة أن هناك جنوبا شيعيا مهادنا ووسطا سنيا مقاوما في العراق ويؤكد أن المهادنة والمقاومة مردها إلى الطريقة التي يتعامل بها المستعمرون.
فالبريطانيون بما لهم من خبرات استعمارية عريقة يعرفون كيف يديرون الأمور بسلاسة وبطريقة تقلل الاحتكاك مع أهالي البلد الواقع تحت الاحتلال وتجعل التصادم في حده الأدنى مما يتيح نوعا ما من التعايش قصير الأمد بالطبع، أما الأميركيون فإن خبراتهم الاستعمارية مشوبة بالعنجهية ومعززة بماض هو أقرب إلى الاستئصال منه إلى تفهم الآخر.
لذلك فإن البريطانيون عادة ما يحتفظون بشعرة معاوية مع من يحتلون أرضهم، بعكس الأميركيين الذين يخرجون وقد خلفوا مرارات لا يمحوها الزمن (كما حدث في فيتنام) أو يشنون حرب إبادة لا يغفرها التاريخ (كما حدث لسكان أميركا الأصليين).
بالطبع لا يسير الاستعمار البريطاني بشكل ناعم طوال الوقت فهناك مجازر تاريخية تورط فيها مثل مجازر 1857 في الهند ومجزرة دنشواي عام 1906 في مصر، لكنه يحاول ألا يكون غشوما على نحو ما يفعل الأميركيون، وحينما يقلدهم كرعاة بقر عتاة تحدث النتائج نفسها.
وللإنصاف فإن الأميركيين مهرة في الاستعمار عن بعد، فهم أصحاب تأثير أكبر في البلاد التي لا يدخلونها بدبابة، ذلك أن مقولات الحرية وحقوق الإنسان (الزائفة في الواقع) تحدث تأثيرا أكبر.
كما أن أجهزة استخباراتهم وأجهزة إعلامهم تجيد لعبة إدارة سياسات الدول الواقعة في فلكهم بالريموت كنترول، لكن إفلات دول أميركا الجنوبية من هذه القبضة يمثل حدثا قابلا للتعميم على مناطق أخرى من العالم.
الاستعمار هو الاستعمار سواء تعامل بقبضة حريرية أو حديدية، والوجه البشع واحد سواء كان القناع لدراكيولا أو للأم تيريزا، والذرائع التي تساق لنهب ثروات الدول واحتلالها واحدة لا تتغير عبر الأزمنة، ففريق بوش اليميني المحافظ لم يفعل أكثر مما فعله أبناء الثورة الفرنسية قبلهم بأكثر من قرنين.
وإذا كان كولن باول وكوندوليزا رايس قد جذبا انتباه العالم فلأن الأميركيين عمموا ثقافة الجهل بالتاريخ على العالم، إذ أن وزيري خارجية الولايات المتحدة كررا بالحرف الواحد ما قاله تاليران وزير خارجية فرنسا .
حينما رفع تقريرا في فبراير 1798 لرئيسه يقول فيه «إن أهالي مصر قاطبة يكرهون المماليك الذين يسومونهم الظلم والاضطهاد، وليس ثمة خوف من مقاومة أو انتفاضة من الأهالي».
كما أن الانتخابات وتحرير المطبوعات ووسائل الإعلام الذي حدث في العراق ليس جديدا، فنابليون أيضا استعان بالديكورات الديمقراطية للتمويه على واقع الاحتلال، بينما يمثل الأخير نفيا لكل ديمقراطية من أي نوع.
غير أن العالم العربي بنخبه المشوهة سياسيا وثقافيا يجيدون التطبيل والسير في ركاب المستعمر، ربما يكون ذلك نوعا من الانصياع الطوعي وربما خوفا وتحاشيا لمصير مشابه إن هم قاوموا ليس على مستوى حمل السلاح في وجه الغازي، بل إن الخوف يمتد إلى حمل أفكار المقاومة ذاتها، بدليل أن كل أجهزة الإعلام العربية في غزو العراق.
وفي السنوات الأخيرة من احتلال فلسطين تستخدم مصطلحات نحتها المحتلون كنوع من المراوغة أو التمويه، وأصبح من يستخدمون الألفاظ الدالة على حقيقة ما يجري بمثابة متطرفين ينبغي عزلهم.
وهناك في العقلية العربية بوجه خاص بكتيريا تحاول طمس ما قد يجعلها في حرج أمام قابليتها للاستعمار، فلم تغب عنا فقط مقولات قادة التحرر الوطني في العالم التي تمثل عصارة تجاربهم في المقاومة، بل تم تغييب التراث العربي في هذا الشأن، ولم يعد أحد يشير من قريب أو بعيد لمقولة العلامة ابن الأزرق:
«أنه عندما تتقاتل أمتان وتفوز الأولى على الثانية فإن ذلك لم يحدث لقوة الأولى فقط، وإنما لضعف الثانية». كما غابت عنا مقولة ابن خلدون بأن «المغلوب مجبول على تقليد الغالب في كل شيء».
استحضار هذه المقولات ليس لجوءاً إلى عبارات إنشائية بقدر ما هو استحضار لوعي لا يريد المستعمر ومن يسيرون في ركابه من بيننا أن يحضر.
magdishendi@hotmail.com