أفادت الأنباء ان الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة أصيب بوعكة صحية جديدة، هي الثانية له بعد التي أصيب بها في الصيف الماضي واستدعت سفره إلى باريس لتلقى العلاج.

وهذا الأمر يعنى ان الرئيس الجزائري ليس بخير، وقد تكون إمكانية استكماله لمدته الرئاسية كاملة محل شك. وهذه الأزمة الصحية الجديدة لا تتعلق فقط بصحة فرد هو بوتفليقة وإنما له صلة بمستقبل الجزائر ذاتها، ولا يعود ذلك إلى ان الرئيس هو الذي صاغ مشروع المصالحة الوطنية المعروف باسم «الوئام المدني».

وإنما لانه قام خلال الولاية الأولى له والسنتين الاولتين من ولايته الثانية بعملية منهجية لتركيز السلطات في يد رئيس الجمهورية، الأمر الذي جعل من مؤسسة الرئاسة بمثابة المؤسسة المركزية في النظام السياسي.

وبالتالي فان هناك من المراقبين من يربط بين وجود الرئيس بوتفليقة في السلطة واستمرار برنامج الوئام الوطني الذي لم يتحول حتى الآن إلى اطر مؤسسية تشرف عليه وتحققه.

وقد استطاع الرئيس ان يربط بين هذه المصالحة الوطنية وبين وجوده شخصيا في السلطة الأمر الذي يطرح تساؤلات جدية حول مستقبلها في عدم وجوده.

وهناك نقطة جديرة بالطرح وهى ان الرئيس عندما ربط بين المصالحة الوطنية وبين وجوده شخصيا كان منطلقا من إدراكه بان النخبة الجزائرية خاصة جناحها العسكري ليست مجمعة على ضرورة إجراء المصالحة التي كانت من الضروري ان تتطلب تقديم تنازلات للتيار الإسلامي خاصة جناحه المعتدل المتمثل في الجبهة الإسلامية للإنقاذ وجناحها العسكري المسمى بالجيش الإسلامي للإنقاذ وهو بالتالي كان يستشعر خطورة ما يقوم به.

ولابد انه قد وعى الدرس الذي أدى إلى تنحى سلفه اليمين زروال الذي كان قد بدا بالفعل في إجراءات مشابهة لما يقوم به الرئيس من مصالحة لكنها وئدت في المهد وراح الرئيس نفسه ضحية لها بسبب تعقيدات العلاقة مع المؤسسة العسكرية الجزائرية التي ظلت منذ الاستقلال وحتى وصول بوتفليقة هي المؤسسة الرئيسية في النظام السياسي الجزائري.

وقد استطاع الرئيس بوتفليقة ان يتعامل مع هذا الوضع بان جعل من مشروع المصالحة مشروعا شعبيا وذلك بعدما قام باستفتاء الشعب الجزائري عليه بمرحلتيه الأولى التي تمت عام 2001 والثانية التي تمت العام الماضي 2005 وهو بالتالي استطاع ان يحصن مشروعه بعدما وافق الشعب الجزائري بأغلبية تفوق 90 % على هذا المشروع.

ولكن التحصين الذي قام به الرئيس لا يضمن الاستمرار له، وإنما كان بهدف تحصين قراراته هو الخاصة بالمصالحة وبهدف تامين نفسه إزاء المصير الذي واجهه سلفه زروال.

وهو ضمن إجراءاته ما هو من شانه تخفيض قبضة المؤسسة العسكرية عن السياسة وقد فرض عليها هذا الأمر التراجع خاصة مع النجاحات الاقتصادية الملحوظة التي حققها الرئيس.

وهى نجاحات تعود في معظمها إلى الارتفاع في أسعار البترول والغاز الطبيعي بما مكن النظام من تخفيف التضخم ومن تقليل الديون الخارجية والعودة إلى حد ما إلى نموذج دولة الرفاهية التي كانت متبعة في سنوات الثورة.

وهناك من يرى ان الخروج عن هذا النموذج بسبب تراجع أسعار البترول في نهاية الثمانينات وأوائل التسعينات كان احد الأسباب الرئيسية للأزمة الجزائرية.

من هنا فان غياب بوتفليقة بسبب الوعكة الصحية، وهى تطرح تساؤلات حول مستقبله السياسي أيضا، يمكن ان يؤدى إلى نكوص في عملية المصالحة وبما يعيد الجزائر مرة أخرى إلى المربع رقم واحد من أزمتها، خاصة .

وان هناك وجهات نظر تعتقد ان المؤسسة العسكرية تسعى إلى تفويت الفترة المتبقية من ولاية الرئيس وتخطط من اجل عودتها مرة أخرى للسيطرة على العملية السياسية بصورة قوية وهو الأمر الذي أصبح متاحا حاليا في ظل المعطيات المتعلقة بمرضه.

والحاصل ان مرض بوتفليقة، ربما يفتح الباب أمام نوعيات متعددة من الصراع منها المتعلق بالجناح المدني في الدولة حيث تسعى تيارات سياسية وفكرية متعددة إلى تولى السلطة، وداخل هذا الصراع ستكون، هناك صراعات داخل أحزاب التيار الوطني وعلى رأسها حزبا «جبهة التحرير الوطني» و«التجمع الوطني الديمقراطي».

وهما اللذان تناوبا على السلطة خلال السنوات العشر الماضية، ومشكلة كل منهما ان الرئيس بهدف تنفيذ برنامجه سواء السياسي ام الاقتصادي جعل منهما ملحقا للسلطة التنفيذية وبالتالي فان شخصيات عديدة منهما ترى نفسها مؤهلة لخلافة الرئيس .

وهى سوف تسعى لذلك بالتنسيق مع المؤسسة العسكرية بسبب افتقاد الحزبين للشعبية الواجبة الأمر الذي يعيد المؤسسة مرة أخرى إلى مركز الاهتمام في العملية السياسية.

والنوع الثاني من الصراع سوف يكون متعلق برغبة المؤسسة العسكرية في العودة مرة أخرى كمؤسسة مركزية وهناك داخل المؤسسة وجهات نظر ورؤى متعددة ومختلفة حول هذا الأمر.

وهو ما يعنى انه سيحدث خلاف داخلها حوله ولا يستطيع احد ان يتنبأ باتجاه الحل المتوقع. اما النوع الثالث من الصراع فسوف يكون خاصا بالاتجاه الإسلامي بالجزائر.

حيث سيظهر في داخله توجهان الأول يسعى إلى توسيع المكاسب التي حصل عليها من عملية المصالحة بمرحلتيها والثاني سيعتقد ان هناك فراغا في السلطة.

وانه على هذا التيار ان يسعى لملئه بما يفتح الباب أمام عودة الصراع إلى الجزائر مرة أخرى، خاصة وان الصراع داخل التيار الإسلامي قد يؤدى إلى انشقاقات تفرخ المزيد من التيارات الراديكالية داخل الإسلاميين الجزائريين.

وخلاصة الأمر ان مرض بوتفليقة يفتح الباب أمام المجهول في الجزائر وهو أمر يعود إلى فردية سياساته وعدم تحويله لمشروعاته إلى مشروعات مجتمعية يدافع عنها أفراد المجتمع المستفيدون منها.

كاتب مصري