منذ زمن غير بعيد، اعتبرت إسرائيل أن المشروع النووي الباكستاني يمثل تحدياً لأمنها بمفهومه الإقليمي الواسع. وعليه، خاض استراتيجيوها، المدنيون منهم والعسكريون بمستوياتهم النظرية والحركية.

في جدل معمق حول أنجح وسائل إحباط هذا المشروع والإجهاز عليه بصورة استباقية. ولم يستثن البعض من اقتراحاته بالخصوص، النظر في إمكانية وجدوى توجيه ضربات جوية مركزة ضد بنيته التحتية ومنشآته على غرار تدمير مفاعل أوزاريك العراقي.

وقيل إن إسرائيل بوسعها تدبر تسهيلات لوجستية لهذا الخيار من جانب دول مجاورة لباكستان ومناوئة لها، أو حتى انطلاقا من إحدى الحاملات الأميركية التي تجوب المحيط الهندي.

وقتذاك، قامت التقديرات الإسرائيلية على أساس منظور ديني انحاز إلى أن غاية الباكستان هي تصنيع قنبلة نووية «إسلامية»، وربما يجرى تعريبها بحيثية ما.

وقد تعززت هذه الشكوك بالرأي القائل بأن دولاً عربية هي التي تمول المشروع. غير أن تسلسل الأحداث، ولا سيما غداة استكمال تصنيع القنبلة الباكستانية وتجريبها بالفعل، يشي بانحسار هذه التقديرات تماماً من العقيدة الأمنية الإسرائيلية.

وذلك لصالح رؤية بديلة اكثر واقعية واتساقا مع مشهد التفاعلات البينية داخل العالم الإسلامي، وكذا مع سنن العلاقات الدولية ومحدداتها ومساراتها بين الأمم والشعوب.

قوام هذه الرؤية أن الباكستان لا تصطف وقنبلتها في حلف عسكري أو حتى سياسي مع الدول الإسلامية أو العربية. وأن العامل الأيديولوجي (الإسلامي) لا يقع على رأس أجندة تفضيلات السياسة الخارجية الباكستانية.

بل أن الأولوية المطلقة ممنوحة حصرا للمصالح الوطنية البحتة، المعنية مباشرة بالخطر الهندي على خلفية قضية كشمير وتنافس المكانة، لكنها لا تصل أبداً للعناية بالخطر الإسرائيلي على خلفية قضية فلسطين وتوابعها.

إلى هذا وذاك، فإن خطاب النظام الباكستاني، يخلو على صعيدي اللغة والممارسة من العدائية الظاهرة لإسرائيل، وربما يميل أكثر للتصالح وينطوي على احتمال التواصل معها بشكلٍ طبيعي. ومنذ شهور قليلة ذهب الرئيس برويز مشرف إلى أن التعامل مع إسرائيل يحقق مصالح استراتيجية لبلاده !.

وقد سادت هذه الرؤية أكثر بعدما لاحظ العقل السياسي والاستراتيجي الإسرائيلي التعاون الحميم من جانب نظام مشرف مع الحرب الأميركية على «الإرهاب»®.

وذلك بغض النظر عن الاحتلال الأميركي لدولتي أفغانستان (الإسلامية) والعراق (العربية الإسلامية). الأمر الذي يُفصِحُ عن ضآلة تأثير البعد الإيديولوجي الإسلامي مقابل المكون المصلحي الوطني في معالجة السياسة الباكستانية تجاه الولايات المتحدة، وبالتداعي إزاء حليفتها العضوية إسرائيل.

تأمل هذه السابقة قد يكون مهماً لمن أراد تشوف هوية القنبلة الإيرانية إذا ما تم إنتاجها. ومع ذلك ثمة مسوغات لضرورة توخي الحذر عند إسقاط المثل الباكستاني حرفياً على الحالة الإيرانية.

فهناك فروق جوهرية بين نظامي إسلام أباد وطهران، لجهات البنى الإيديولوجية والتوجهات الداخلية والخارجية وإدراك مصادر التهديدات وموقع التحالف الأميركي الإسرائيلي في هذه المصادر 00 .

في هذا الإطار، يجادل البعض بأن الفروق المذكورة ونحوها، لا تَجّب صحة النظرية العابرة للدول والنظم، التي مفادها أن الأسلحة عموماً، النووية منها بخاصة، لا تتبع الأديان والإيديولوجيات، وإنما تتحدد هويتها واستخداماتها بالمصالح الوطنية الصرفية.

وأنه مهما بلغت الدولة الوطنية من مراتب التعاطف مع الآخرين على أسس عقيدية أو معنوية وأخلاقية، فإنها تبقى مشدودة لهذه المصالح وقراراتها معلقة بها.

يمضي أصحاب هذا الجدل إلى ان النظام الإيراني ليس بدعاً من هذه النظرية. فهو وإن لم يحذُ حذو إسلام أباد في الانفتاح على واشنطن وتل أبيب وطمأنتهما لنياته، إلا أنه لن ينتج قنبلته لمواجهتهما تحديداً 00 ولا هو سيتطوع بتقديم رؤاه الإيديولوجية ونوازعه الدينية على مصالحه المنظورة الذاتية، إذا ما سيق إلى المفاضلة بينهما في لحظةٍ فارقة.

ومن الأمثلة التي يلوكها هؤلاء بلا تحفظ، كيف تعاون قادة طهران مع إسرائيل في صفقة «إيران كونترا» قبل عقدين. وهم يعتقدون عموماً بأن «قنبلة إيران» لن تكون إسلامية الهوية والتوظيف، شأنها في ذلك شأن قنبلة الباكستان.

من الواضح أننا إزاء رؤية تنسب القنابل إلى صناعها الوطنيين أو القوميين.

فالقنبلتان الباكستانية الجاهزة والإيرانية المفترضة هما للباكستان وإيران فحسب، تخضعان لمصالحهما واستراتيجياتهما وليس من المحتمل توظيفهما فيما هو أبعد من هذين الإطارين أو عابر لهما.

وعلى رغم بساطتها، فإن هذه الرؤية لا تخلو من حكمة ويمكن للمرء ردفها بمزيد من الأمثلة. فالولايات المتحدة لم تبدع قنبلتها للتبشير بالمسيحية.

ولا هي ألقتها على هيروشيما ونكازاكي عام 1945 لهداية اليابانيين إلى البروتيستانتية. وإنها لمبالغة إلى حد السخرية أن ينسب البعض القنبلة الفرنسية للكاثوليك والبريطانية للإنجيليين والروسية للأرثوذكس والهندية للهندوس والإسرائيلية لليهود والصينية للكونفوشيوسيين.

وسبق لفرنسا ديغول أن شككت في جدية الولايات المتحدة استخدام ما وصف بمظلتها النووية الأوروبية، إذا ما تعرضت أوروبا لغزو سوفييتي.

ثم إنه لا يصح تصنيف القنابل النووية وفقا للمنطق الديني والطائفي العرقي، بالنظر إلى تداخل خرائط الأديان والطوائف بين الدول. فالهند بها أكثر من 150 مليون مسلم ،أي ما يعادل تقريبا مسلمي الباكستان جميعهم، فهل تشكل هذه الحقيقة رادعا حتميا لاستخدام القنبلة الباكستانية ضدها ؟. كما إن «القنبلة البروتستانتية» ليست بالقطع رادعا ضد الكاثوليك في أيرلندا الشمالية والعكس بالعكس !.

لعل هذا التحليل، يفضي للقول بأن المسلمين يمكنهم فقط التباهي بقدرتهم على استيعاب أرفع أنماط التقنية، لكنهم يفرطون في التفاؤل إذا ما استندوا إلى النموذجين الباكستاني والإيراني، بحسبهما قوة مضافة بالمعنى المادي والحقيقي لكل وحدات العالم الإسلامي.

ترى هل يعني ذلك أنه لا جدوى بالمرة للقنبلة الإيرانية بالنسبة لتوازن القوى بين العرب وإسرائيل ؟. ألا يضيف هذا المستجد شيئا لقوى وتيارات العاكفين على مقاومة المشروع الصهيوني، المرابطين ضد العدوانية الإسرائيلي؟.

أيمكن بكل بساطة إحالة خطاب قادة طهران العدائي لإسرائيل وحديثهم عن قدسية فلسطين واسترداد الأقصى وأكنافه لبيضة الإسلام إلى الأحاديث الدعائية التعبوية الخالية من دسم الجدية ؟.

هل يقصد هؤلاء بخطابهم هذا دغدغة عواطف العرب وتهدئة خواطرهم إزاء المشروع النووي الإيراني الذي يضاعف قوة طهران إزاءهم؟.

هل يصح إدراج القنبلة الإيرانية ضمن مصادر التهديد المحتملة ضد الجوار الإسلامي العربي، وبخاصة الخليجي منه ؟. أينبغي للعرب أن يتساووا والإسرائيليين في القلق والرهبة من تداعيات الرادع النووي الإيراني المفترض؟. أسئلة صعبة حقا.

كاتب وأكاديمي فلسطيني