في مقاله الذي نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» يقول الكاتب الأميركي توماس فريدمان بأن النفط سبب أساسي لعرقلة نشر الديمقراطية في العالم.
وبأن السبب الوحيد الذي يجعل ايران تتطاول على الأمم المتحدة وتستهزئ بأميركا ولا تستجيب للمطالب الدولية بشأن برنامجها النووي هو النفط ولا شيء آخر، وأن أموال النفط هي نفسها التي تغري الرئيس الفنزولي شافيز والروسي بوتين والسوداني عمر البشير وغيرهم للاستهزاء بالولايات المتحدة .
وتحدي ارادتها الكونية على العالم، أما دول أخرى ذات صلة أقل بأموال النفط فإنها تتراجع عن مشاريع الاصلاح السياسي مستندة الى الثروة التي يدرها عليها النفط!
ما هي الرسالة التي يود توماس فريدمان أن يوصلها للادارة الأميركية وللدول التي يروق له ـ كما يقول ـ تسميتها بـ «النفطية»؟
والى أي درجة يصح الاقتناع بمقولته إن هناك علاقة طردية ما بين أسعار النفط العالمي وايقاع تقدم الحرية والديمقراطية، بحيث يصير مسلما به أنه ـ وحسب فريدمان ـ كلما ارتفعت أسعار النفط كما هي عليه اليوم (حوالي 70 دولاراً للبرميل).
كلما زاد انجراف الحريات، وانحسرت حرية التعبير، وحرية الصحافة، وحرية الانتخاب والتجمع وتشكيل الاحزاب السياسية والمنظمات غير الحكومية، وكلما قاد ذلك بالتالي الى قلة شفافية الدول، وتقلص استقلال القضاء، وحكم القانون.
يبدو طرح فريدمان منطقيا جدا حين نمعن التفكير في مستوى العلاقة بين النفط والشركات الأميركية العابرة للقارات أيضا، ذلك أن أكبر عملية ترويج للديمقراطية في العالم لم تحدث في ألمانيا الشرقية إثر انهيار حائط برلين.
ولكن في العراق اثر احتلالها من قبل الجيش وشركات النفط الاميركية، مع ذلك فإن أكبر عملية فساد في التاريخ وسرقة ونهب وعرقلة للديمقراطية تمت هناك في العراق على يد الحاكم الاميركي بريمر وليس على يد أحد آخر في العالم النفطي، ذلك بحسب تقارير غربية وليست عربية حتما!
من الذي يفسد الآخر بالضبط: الشركات العالمية الغربية أم اصحاب البلد في دول النفط؟ من الذي يسرق فرصة الآخر في الترقي والنهوض والحياة الآمنة: الولايات المتحدة أم دول العالم الثالث والثاني والنفطي؟ من يخاف من ثروة ونفط الآخر: نحن أم أميركا؟
من يستكثر النفط والثروة على اللآخر دول النفط أم الدول التي تريد النفط لها وحدها لأنها تعتقد بأنها الأولى به كونها صناعية ومتطورة وأكثر احتياجاً؟ وأهم تلك الأسئلة:
من يعرقل الديمقراطية في العالم بالفعل والدليل والبرهان: الولايات الأميركية أم دول النفط ؟ لا نبرئ أنفسنا فإن النفس كما قال الله تعالى امارة بالسوء الا ما رحم ربي، لكننا لا نرى في الولايات المتحدة ملاكا جميلا يحمل راية الديمقراطية البيضاء يريد أن يفرشها على الأرض بينما تمنعه حقول النفط الملتهبة من أداء مهمته الرسولية !
هناك تآكل لفكرة الديمقراطية والحرية في كل مكان، حيث النفط وحيث لا نفط، هناك تآكل لفكرة الحرية في معاقلها الكبرى في الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا، لكن الآلة القوية المتماسكة ـ الدستور والتي تعمل بقوة القانون ومؤسساته ويحرسها القانون ومؤسساته تقوم بدور الكابح والضابط والمانع لكل التجاوزات والفساد الممكن اتمام صفقاته ببساطة لولا هذه الرقابة التي تنفذها القوانين، والصحافة.
والدستور ومؤسسات المجتمع المدني التي اعتنت هذه الدول بتأسيسها باكرا قبل أن يهل زمن لا يعود فيه متسع لمواجهة الفساد والمفسدين فوفرت غطاء كافيا للأجيال وللمكتسبات ولأزمنة طويلة آتية.