تشهد المنطقة بأكملها حالة غليان واستنفار وترقب. والوضع أشبه بمسلسل تلفزيوني لم يتابع الكثيرون بدايته ووجدوا أنفسهم في منتصف الأحداث دون أن يعرفوا كيف ستكون النهاية التي لا يعلمها إلا الله ومع ذلك وجدوا أنفسهم رغم أنوفهم في وسط المعركة.
حتى الدول التي قامت بـ (تأزيم ) الأمور تورطت في النهاية ولم تعد تعرف أين تضع قدميها أو كيف ستخرج من الأرض التي شهدت على مر العصور أكبر الصدامات في التاريخ.
هذه المنطقة تمتد من بلاد ما بين النهرين إلى القدس. ومن سوء حظ هذه المنطقة أن يكون الاصطدام دائما على أراضيها... وعلى أراضيها يتحدد المنتصر والمنهزم: الفرس أم الروم؟
الإسلام أم المسيحية؟ علي أم معاوية؟ الحسين أم يزيد؟ الاستعمار الفرنسي أم البريطاني؟ الحلفاء أم المحور؟ روسيا أم أميركا؟ العرب أم إسرائيل؟ وما يحدث اليوم ليس بجديد على المنطقة.
فهي واحدة من حلقات ذلك المسلسل التاريخي الطويل المؤلم، والمدهش في الأمر أنها المنطقة الوحيدة التي لا تملك شيئا يذكر سوى النفط. فمجتمعاتها ما زالت منظمة بشكل بدائي يرجع إلى أيام الخلافة الأموية والعباسية.
ويكون المحكوم فيها تابعا منذ ولادته لنظام سياسي محدد مسبقا لم ولن يقوم باختياره أو تبديله أو حتى الجرأة على انتقاده أو التفكير في منافسته: فهو محكوم عليه بالنظام القائم.
وإن حاول الوصول إلى تحقيق ذلك تأسيا بالدول المتقدمة ديمقراطيا تقوم دول خارجية ديمقراطية أخرى بمحاصرة تلك الديمقراطية الحديثة بهدف خنقها والقضاء عليها لأسباب نعرفها جميعا.
أما اقتصادها فهو قائم على الاستهلاك دون الإنتاج. فلا تعرف له صناعة ثقيلة أو حتى خفيفة ترقى إلى مستوى صناعات الدول المتقدمة. وخططت الدول الصناعية الكبرى على أن تبقيها تابعة دائمة لمنتجاتها دون أن تفتح لها أبواب الصناعة المحلية أو تمدها بأسرار الصناعة التي تتملك زمامها.
والمنتجات الصناعية المحلية في حقيقة الأمر لا تتعدى كونها تعبئة أو تجميع لمنتجات أو مواد يتم توريدها من تلك الدول الصناعية الكبرى. أما في مجال التكنولوجيا، فليس لها حصة تذكر. ومعظم أجهزة الحاسب الآلي المستوردة تستخدم لأغراض التسلية فقط.
ولم تزل المؤسسات تعتمد على الأنظمة البيروقراطية القديمة في إنجاز مهامها اليومية. ومن الناحية المدنية، لم يتعد التطور مرحلة البناء العمراني في بعض الدول على أيد مهندسين أجانب وأيد عاملة آسيوية ومواد مستوردة!
ومازلنا نعاني من عدم وجود تخطيط مدني حضاري متقدم يواكب العصر ويحل مشاكل المواطن العادي. فبينما تربط دول أوروبا مثلا شبكة قطارات معقدة للغاية ومنظمة بطريقة مدهشة .
وبشكل عصري مع آخر صرعات التكنولوجيا، لا توجد سكة حديد واحدة أو شوارع سريعة متطورة أو حتى خطوط بحرية تربط بين دولتين إسلاميتين أو حتى عربيتين، وإن وجدت فهي في حالة بائسة تذكرنا بنفس أيام ما قبل الحرب العالمية الأولى.
وثقافيا، نعتبر من بين أكثر دول العالم أمية وجهلا بالقراءة والكتابة خاصة بعد اكتشافنا للفضائيات التي سرقت الوقت المتبقي للإطلاع لتتحول شريحة مهمة من مجتمعاتنا (وهي شريحة الشباب ما بين 15- 30 سنة والذي يقوم عليه تطور أي مجتمع من المجتمعات) إلى مشاهد منتظم لبعض البرامج الاستهلاكية الهابطة والبعيدة كل البعد عن مستوى التثقيف.
والتي تستولي من خلالها شركات يملكها أحيانا شخص واحد على ملايين أو مليارات الدولارات من جيوب الشباب والمراهقين، الذين لا تتعدى اهتماماتهم البحث عن وظيفة متواضعة براتب يؤمن له على الأقل لقمة العيش اليومية، سيارة فارهة بإكسسوارات باهظة.
وبمديونية ثقيلة قد توصله إلى زنزانة السجن، آخر صرعة في الهواتف المتحركة، أخبار الفنانين والفنانات والمطربين والمطربات من إشاعات ونزاعات شخصية وشراسة داخلية وانحلال خلقي وفني... إلخ.
باختصار لم نعد نملك ما ندافع به عن أنفسنا لا على المستوى العلمي أو الثقافي أو الاجتماعي أو المدني أو الاقتصادي. وجميع أسلحتنا قديمة عفا عليها الزمن. وباختصار أشد
: إن الفترة التي تفصلنا عن أكثر الدول تقدما تقدر بما لا يقل عن مئة وخمسين عاما. ولا توجد أي مؤشرات تدل على أننا في طريق التطور للوصول حتى بعد مئة وخمسين عاما إلى ما هم عليه الآن. باختصار أكثر شدة: الفارق يزداد اتساعا. فبينما نحن متوقفون تماما أو متراجعون، فإن تلك الدول تجري بسرعة 300 كم في الساعة في كل المجالات!
ومع هذا، فإن تلك الدول المتقدمة صناعيا بعد أن احترقت قبل خمسين سنة فقط بسعير الحربين العالميتين الأولى والثانية وما نتج عنهما من دمار شامل على أراضيها، قررت أن تنقل ساحات حروبها فيما بينها على أراض الغير، تماما كما تفعل عند التخلص من نفاياتها النووية بدفنها في أراضينا.
أو كما فعلت عندما أرادت التخلص من نفوذ اليهود بنقلهم إلى أرض فلسطين البعيدة جاعلين منهم حصان طروادة الشهير، أي أنها ضربت عشرين عصفورا بحجر واحد.
فحافظت على حدودها وسلامة أراضيها ومواطنيها وعمرانها ومصانعها، وزعزعت الأمن في منطقتنا نحن وجعلتنا بالتالي في حرب مستمرة لا هي باردة ولا هي ساخنة ولا هي حاسمة، وفي حاجة دائمة إلى منتجات مصانعها بدءا من شراء الأسلحة الثقيلة بمليارات الدولارات بهدف تجميعها كتحف نادرة أو لاستخدامها في قتالنا ضد أنفسنا.
وانتهاء بشراء علب الكوكا كولا، وشغلتنا بحروب داخلية طائفية مخجلة، واستولت من خلالها على مصدر الرزق الوحيد المحفوظ تحت الأرض: النفط، (دون أن ننسى بأنها هي التي اكتشفته، وحصلت على امتيازات التنقيب عنه، واستخرجته، وشحنته إلى مصانعها.
وقامت بتكريره لديها هناك لكيلا تسمح لنا هنا حتى بالاستفادة من مصانع التكرير، ثم أعادة تصديره إلينا مرة أخرى بأثمان باهظة) بينما نحن مشغولون بغزو الكويت، وحرب العراق منذ 15 سنة، ثم الحرب الأهلية في العراق، والحرب في لبنان منذ 30 سنة، والحرب في فلسطين منذ 60 سنة والحرب على إيران والسودان والخلافات على الحدود... وهلم جرا....
ومادامت مصالح تلك الدول الصناعية قائمة في المنطقة حتى بعد نضوب النفط، فإنه يتوجب علينا عدم انتظار الفرج، بل علينا إن نتوقع تضاعف وتزايد الصراعات في المنطقة، إن لم تكن على مستوى دول المنطقة فيما بينها، فإنها ستكون يقينا صراع الديكة على مستوى الدول الكبرى:
الولايات المتحدة الأميركية (التي لا تريد منافسا آخر لها في أي بقعة على الأرض)، روسيا (التي بدأت تستيقظ من سباتها القصير)، فرنسا (التي بدأت تطل برأسها بشكل تدريجي)، بريطانيا (التي تبحث لها عن قطعة ولو صغيرة من الكعكة المجانية) ، حتى ألمانيا مع حكومة ميركل الجديدة، هي الأخرى بدأت تدغدغها الرغبة في أن يكون لها بوق ورأي يحدد مصير المنطقة...
هناك اليوم كبش فداء يطلب الجميع رأسه: إيران، تنفيذا لسياسة الدول الكبرى في نقل صراع مصالحها بعيدا عن حدودها. وبدأت هذه الدول في النقاش فيما بينها حول كيفية ذبحه؟ فالكل يريده على مذهبه .
وبما يضمن له الحصة الأكبر من الغنيمة. والسكين اليوم في يد الولايات المتحدة الأميركية، و هي نفس السكين التي ذبحت بها فلسطين والعراق من قبل. والأمر هذه المرة أخطر بكثير من احتلال العراق وسيكون أوسع دمارا.
فهل نتوقف قليلا عن مشاهدة (موديل فيشن) لنتابع مسلسل حرب العصابات الكبرى التي تجري أحداثها على أرض المنطقة؟
جامعة الإمارات
dralabodi@gmail.com