هل يقتصر التوطين على مجرد تعيين المواطنين الإماراتيين في الوظائف الشاغرة في مؤسساتنا ودوائرنا المحلية، أم يتعدى الأمر إلى ما هو أبعد وأهم؟ وإذا كانت الإجابة بنعم فما هو المطلوب غير ذلك؟ أعتقد بأن حالات كثيرة وصلتنا عبر حكايات وقصص مختلفة يمكن الاستدلال منها على وجود إشكالية بدأت كإشكالية يعاني منها عدد قليل من الموظفين لكنها تحولت للأسف إلى ما يشبه «الظاهرة».

إنها ظاهرة التضييق على الموظف المواطن إلى الدرجة التي لا يكون أمامه سوى أن يذعن للواقع أو أن يخرج من أقرب باب من أبواب المؤسسة بعد أن يتقدم باستقالته نافذا بجلده، ويبقى السؤال: كيف ولماذا تفشت هذه الظاهرة؟ وما هي حقيقتها وملامحها؟

من مجموع الشكاوى والقصص التي بتنا كإعلاميين نسمعها أو يطلب منا أن ننصت إليها من قبل الذين يعانون منها نستطيع التأكيد على أن سلوكا مقاوما ومضادا في الوقت نفسه لحملة وتوجه التوطين في الدولة يحدث بالفعل في العديد من المؤسسات.

وعلى يد بعض كبار الموظفين، ملامحه نبذ الموظف المواطن وتجاهله وتهميشه وتعديه بشكل تعسفي في إجراءات الترقيات والعلاوات والمكافآت والسفريات الخارجية والدورات التدريبية و...

لأنه لم يعد من الطبقة المرضي عنها من قبل السيد المسؤول الأول في المؤسسة، وحتى من قبل بعض المحيطين به أو المقربين إليه ممن يصيغون سياسة المؤسسة وفق اعتبارات العلاقات الشخصية والأهواء والأمزجة! وحين تسأل عن سبب عدم الرضا عليه لا تتوقع أن يكون السبب عدم كفاءته مثلا، فهذا سبب يبرر عدم ترقيته لكنه لا يبرر تهميشه وإلغاء وجوده الوظيفي في المؤسسة.

كما لا تتوقع أن يكون السبب اهماله في أداء مهام عمله أو تهاونه في مسائل تتعلق بأمانة العمل مثلا، ان الأسباب الجديدة التي بدأت تنتشر في ذهنية الإدارات الجديدة لا علاقة لها بكل ذلك، فقد صار للولاء مفهوم جديد مغاير لمفاهيم الولاء التقليدي للعمل وللمؤسسة، صار الولاء بمعناه الجديد مرادفا لصيقا للموافقة والمسايرة على كل توجهات الإدارة بغض النظر عن مدى مطابقتها لمصلحة العمل أو مصلحة الوطن أو مصلحة الناس!

هناك أيضا بعض الموظفين الذين تسلقوا مناصبهم بحبال المصالح والعزف على أنغام المجاملات والتجاوزات وكل الطرق الحلزونية التي صارت مكشوفة، هؤلاء لا ينغص عليهم مناصبهم واستمتاعهم بدفء كراسيهم التي لا يريدون مغادرتها أبدا سوى وجود موظف أفضل منهم كفاءة وأداء وفهما وإحاطة لتفاصيل العمل وإخلاصا وولاء للعمل من حيث كونه مكانا لخدمة الوطن والمجتمع والناس وليس وسيلة للتكسب والظهور ومجاملة الرؤساء وكبار المسؤولين في المؤسسة.

موظفو الكراسي المنفوخون بالهواء والفساد هم من أكثر العوامل الطاردة للموظفين المواطنين المخلصين الذين لا يمكنهم الوقوف في وجه التجاوزات كما لا يمكنهم محاربة هؤلاء الفاسدين وفي الوقت نفسه لا يمكنهم احتمال أساليب التطفيش التي يتفننون في ابتكارها وتطبيقها على هؤلاء الصغار الذين لا يجدون أمامهم حلا سوى الهروب إلى الخارج قبل الاختناق بغاز أول أكسيد التلوث الإداري!

هنا فإن إجراءً حكوميا مطلوب لحماية بيئة العمل الحكومي من هذه الظاهرة حفاظا على أبنائنا من مسألة الهروب من العمل وتركه للآخرين بينما نحن أحوج ما نكون لجهود وتواجد مواطنينا في بيئات العمل بجميع مستوياتها وأشكالها، وأيضا حفاظا على سلامة بيئة العمل الحكومي من تنامي وتفشي هذا النوع وغيره من الظواهر السلبية المحبطة والمعيقة للإنتاج والإبداع والعطاء.

والأهم الحفاظ على مؤسساتنا خالية قدر المستطاع من جراثيم الفساد الإداري الذي يتسبب فيه أشخاص لا يفكرون ولا يؤمنون بغير مصالحهم الضيقة.

sultan@dmi.gov.ae