انبثقت السلطة الوطنية الفلسطينية عن منظمة التحرير بموجب اتفاقيات أوسلو، ووضعت المنظمة قوانينها وأنظمتها وحددت صلاحياتها وأوكلت إليها إدارة (الشؤون الحياتية اليومية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية والصحية والتربوية..وغيرها) المتعلقة بالشعب الفلسطيني في الضفة وقطاع غزة فقط.

وأكدت المنظمة في قراراتها أنها المرجعية الأساس للسلطة باعتبارها هيئة منبثقة عنها. وأبقت لنفسها حق البت بالقضايا السياسية كالمفاوضات والاتصالات الدولية والشؤون الدبلوماسية لأن اتفاقيات أوسلو منعت على السلطة الوطنية أن يكون لها أي علاقات دبلوماسية رسمية مع دول العالم كما رفضت أن يكون لها وزارة للشؤون الخارجية واقتصر الأمر على (وزارة التخطيط والتعاون الدولي).

وتولى رئيس منظمة التحرير باعتباره رئيساً للسلطة أيضاً الإشراف على قيادة الأجهزة الأمنية (المخابرات، الأمن الوطني) والأجهزة الإعلامية (وكالة الأنباء الفلسطينية وهيئة الإذاعة والتلفزيون) وعلى السفارات في الخارج باعتبارها تمثل منظمة التحرير التي اعترفت بها معظم دول العالم على عكس السلطة التي لم يطرح أمرها للاعتراف من عدمه لأنها سلطة محلية تابعة للمنظمة التي بقيت تتولى كل ما يتعلق بالشعب الفلسطيني في الخارج ويساوي عدده سكان غزة والضفة الغربية.

هذا من حيث الصلاحيات التي تتوازعها المنظمة والسلطة بموجب اتفاقيات أوسلو وتوابعها، أما من حيث الموقف السياسي من الصراع مع الدولة الصهيونية فالأمر له وجه آخر.

لقد أعلن المجلس الوطني الفلسطيني الاستقلال في دورته التي عقدت في الجزائر بتاريخ (15/11/1988) كما أعلن في الوقت نفسه قيام دولة فلسطين. وكان المقصود إقامتها على أراضي الضفة الغربية وغزة فقط، لأن إعلان الاستقلال ترافق مع قبول القرار (242) أي الاعتراف الضمني بإسرائيل.

ورغم ذلك رفضت إسرائيل والولايات المتحدة أن تشارك المنظمة مباشرة في مفاوضات مؤتمر مدريد (1991) ومثّلها وفد من الضفة والقطاع من ضمن الوفد الأردني، ثم فتحت قناة اتصالات سرية بين المنظمة وإسرائيل توصلت إلى إقرار اتفاقيات أوسلو.

حصلت تداخلات عديدة بالصلاحيات بعد قيام السلطة بينها وبين المنظمة، فكان رئيس المنظمة هو رئيس السلطة وفي الوقت نفسه رئيس حركة فتح التي ينتسب إليها معظم أعضاء اللجنة التنفيذية ووزراء الحكومة والمجلس التشريعي والقوى الأمنية، وضعفت اللجنة التنفيذية للمنظمة التي لم يجر تبديل أعضائها منذ 1996 واستشهد بعضهم وتوفي البعض الآخر واعتقل البعض الثالث وابتعد البعض الرابع عن المنظمة اختيارياً مما أفقد اللجنة التنفيذية نصابها القانوني وعطل مؤسساتها.

وأصبح رئيس اللجنة التنفيذية (ياسر عرفات قبل وفاته ومحمود عباس بعده) هو رئيس السلطة التنفيذية والسلطة الوطنية ورئيس حركة فتح ورئيس كل شيء، وبسبب هذا تعطل في الواقع نشاط مؤسسات المنظمة وهيئاتها ودوائرها ومنظماتها الشعبية وكادت صلتها تنقطع بالشعب الفلسطيني خارج فلسطين، وحلت مؤسسات السلطة محل مؤسسات المنظمة.

جرت الانتخابات الأخيرة وفازت حماس فتبين أن الوضع أكثر تعقيداً مما يظن البعض، فمن الناحية التنظيمية تكاد اللجنة التنفيذية للمنظمة تتلاشى مع أنها المرجعية الوحيدة للسلطة التي كادت أن تحل محل المنظمة، في الوقت الذي لا تشارك حركة حماس في اللجنة التنفيذية للمنظمة ومازالت خارجها، وحاولت حركة فتح بعد نجاح حماس ان تستعيد المنظمة صلاحياتها حسب الأنظمة والقرارات المتخذة سابقاً محاولة الالتفاف على الواقع الذي تكرس منذ أوسلو حتى اليوم بينما تريد حماس صلاحيات السلطة التي كانت قبل مجيئها.

أما من الناحية السياسية فقد اعترفت المنظمة واقعياً بإسرائيل ووقعت اتفاقيات أوسلو وقبلت أن تكون أهدافها استعادة الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، عكس حركة حماس التي تطالب بفلسطين التاريخية. وهكذا فالتناقض واضح بين الطرفين سواء من الناحية التنظيمية أم من ناحية الموقف السياسي من الصراع مع العدو الصهيوني.

طالبت حركة حماس في الاجتماعات التي عقدت في القاهرة بين الفصائل الفلسطينية بإعادة هيكلة منظمة التحرير وانتخاب لجنة تنفيذية جديدة وإعادة النظر بصلاحيات المنظمة وصلاحيات السلطة، وقيل إنها اشترطت أن يكون لها (40%) من أعضاء اللجنة ومؤسساتها، ولكن هذه الطلبات لم تتحقق، وتجددت المطالب بعد فوزها بالانتخابات إلا أن فتح وبعض الفصائل الأخرى لم تستجب، ويقف الجميع الآن أمام مأزق تنظيمي وسياسي وتعقيدات ليست قليلة الأهمية.

ومن البديهي القول إن الخارج (العربي والأجنبي) مهما كانت مواقفه وضغوطه وقوته ورغباته لا يستطيع حل هذه المعضلة وليس سوى الشعب الفلسطيني وحده هو القادر على ذلك. ولعل هذا ماجعل الجميع يقبل بمبدأ الحوار الذي اقترحه المجلس التشريعي وقبله الرئيس محمود عباس ومنظمة فتح ولاشك أن الفصائل الأخرى ستقبله تمهيداً للوصول إلى توافقات يحتاجها الشعب الفلسطيني.

تفرض أربع قضايا أساسية نفسها على مؤتمر الحوار المحتمل:

القضية الأولى: من يشارك في الحوار، هل هم ممثلو الفصائل أم يضاف إليهم ممثلون لقوى المجتمع الأخرى غير المنخرطة في الفصائل، وهل يمثل الداخل وحده أم يشارك معه الخارج الفلسطيني، وكيف يتم الاتفاق على عدد الممثلين لكل جهة أو فصيل، وهل تتخذ قرارات بالتوافق أم بالتصويت حسب نظام الأقلية والأكثرية؟ إضافة لتساؤلات أخرى عديدة.

القضية الثانية: هي إعادة هيكلة منظمة التحرير واختيار لجنة تنفيذية جديدة وتحديد عدد المشاركين في هذه اللجنة عن كل جهة مقاومة أو شعبية، وكذلك تحديد صلاحيات المنظمة ومدى استمرار مرجعيتها للسلطة وماهي المهمات الموكولة إليها؟ أي إعادة توزيع الصلاحيات.

القضية الثالثة: هي تحديد الموقف من حقوق الشعب الفلسطيني وخاصة استعادة الأرض وترسيم حدودها النهائية والمستوطنات والمياه وحق العودة والاتفاق على الوسائل (مفاوضات، خارطة الطريق..الخ) وخاصة أن لكل من حماس وفتح والمنظمات الأخرى مواقف مختلفة إن لم تكن متباينة.

القضية الرابعة: هي فك الحصار الدولي عن الشعب الفلسطيني (بحجة الحصار على حماس) وأساليب مواجهته والبحث عن بدائل مناسبة وقادرة على مساعدة الشعب الفلسطيني على الصمود وعدم التفريط بحقوقه من أجل لقمة خبز، والعمل على إيجاد موقف عربي وإسلامي ودولي يؤهل للصمود.

فهل سيعقد المؤتمر وهل سيحل هذه القضايا، يبدو أنها الطريق الوحيدة.

كاتب سوري