شاهدت في أحد المراكز الثقافية في الولايات المتحدة قبل سنوات فيلماً من الأفلام التي تصنف بأنها غير تجارية. كانت قصة هذا الفيلم تدور حول فتاة يعدها أحد منتجي الأفلام بدور في أحد أفلامه وطلب منها أن تأتي إلى منزله لمناقشة ذلك الدور.
جاءت الفتاة إلى منزله لتكتشف أنه ليس هناك من دور ولا ما يحزنون، وإنما هو دعاها لأغراض أخرى، وحين حاول المنتج الوصول إلى مأربه عن طريق العنف هربت منه الفتاة وأبلغ هو الشرطة، حتى لا تشتكي عليه، بأنها جاءت للسرقة.
الشرطي الذي طاردها حاول هو الآخر اغتصابها حين تمكن منها لكنها أفلتت منه بأن سحبت مسدسه وأجبرته على خلع ملابسه وتقييد نفسه. أخذت هي الملابس والمسدس ودراجة الشرطي ولبست الملابس وفرت على الدراجة.
بعدها تبدأ حبكة الفيلم الحقيقية، تقمص الفتاة لدور الشرطي لأن من شاهدها أو تعامل معها في الشارع تعامل معها على أنها شرطي، ووجدت الفتاة نفسها مضطرة لتقمص ذلك الدور. فبعد أن كانت معرضة للانتهاكات وجدت الفتاة نفسها، بسبب الزي الذي لبسته، تقوم بدور آخر، دور الذي يمتلك القدرة على ممارسة السلطة، وحتى قمع الآخرين، إن استدعى الأمر.
المغزى الذي حمله الفيلم تجسد في معنى أن الزي الذي نتزيا به، أو بالأحرى الدور الذي نلعبه له شروطه وأنه يفرض علينا أداء معينا في الحياة، وقد لا يكون هذا الأداء في الحقيقة هو ما نريده لأنفسنا، أو حتى نظن أننا نعرفه عنه.
حول مثل هذه المسألة أجريت بعض التجارب في بعض الجامعات الأميركية حيث أخذت مجموعة من الطلاب وطلب منهم أداء أدوار معينة مثل أن تقوم فئة من تلك المجموعة بلعب دور سجناء وفئة أخرى بدور سجانين ووجد القائمون على تلك التجربة أن الذين لعبوا دور السجانين مثلا ظهرت عليهم سلوكيات لم تكن في الأساس جزءا من شخصيتهم، ومنها ممارسة القهر والقمع لزملائهم من الفئة الأخرى، فئة السجناء.
تلفزيونات الواقع لها أيضا صلة بهذا الموضوع من حيث أنها تعمل على ترسيخ معنى المراقبة في نفسية الفرد وتجعله متقبلا لدور الخاضع للمراقبة طوال الوقت. وهناك بيت شعري لأحد الشعراء العرب الصعاليك وهو السموأل يقول فيه ما معناه «كل زي يتزيا به الفتى يصبح ذاته». أي أن أي قناع نلبسه يصبح جزءا من ذواتنا، جزءا منا، لصيقا بنا، وقد لا نستطيع الفكاك منه.
ولهذه المسألة أهمية قصوى يجب أن لا نهملها في حياتنا بل أن نتفكر فيها وأن نتدارسها، لأنها ببساطة، وفي حال حدوثها، تخلق شرخا في النفس تتوارى خلفه الذات الحقيقية وتظهر الذات الأخرى التي تقمصناها. وفي محاولتها للبروز تصير الذات المكتسبة بها شيئا من صفة العدوانية، لأنها تصرفت بشكل عدواني حين قمعت الذات الحقيقية وحقرتها وتعالت عليها.
الذات الحقيقية قد تكتسب هي أيضا شيئاً من السلوك العدواني حين تتجاوز منطقة القلق الذي عاشته في البداية بسبب دورها الجديد لتصبح شرسة ومهيأة للعدوان، كشكل من أشكال الدفاع أو ردة الفعل، أو حتى التحلي بصفات الذات الأخرى القامعة لها.
الذي جعلني أتذكر موضوع الفيلم ومسألة تقمص الأدوار وأن أجعلهما محل الرغبة في المناقشة معكم، موقف بعض المؤسسات التعليمية حين تشترط من الدارسين فيها عدم التعامل مع لغتهم الأصلية أو الأم والاقتصار على التعامل مع اللغة المكتسبة، ليس من منطلق إجادة اللغة الأخرى وإنما من منطلق عدم صلاحية اللغة الأم كلغة علم، فيبدأ الطلبة بقمع اللغة الأصلية وتجاهلها والتعامل مع اللغة الأخرى على أنها اللغة الأفضل أو الأرقى.
ولدراسة مثل هذا السلوك علينا أن نستعيد هنا مفهوم القناع مرة أخرى، لأن الذي يحدث هو شيء شبيه بقمع الذات الأصلية وإعلاء الذات المكتسبة، إذ اللغة في الحقيقة ليست أداة تخاطب فقط، وهو ما تؤكده كل الدراسات في هذا المجال.
اللغة هي وعاء ثقافة الإنسان وجوهر ذاته، وحين يمارس القمع عليها فإنما القمع أصلا ممارس ضد الذات التي تمثلها.
ولإدراك هذه المسألة علينا فقط أن نتأمل في سلوك أبنائنا الذين تركزت محاور تعليمهم على إعلاء اللغة الأجنبية وإهمال اللغة العربية، سنجد أنهم لا يستعملون اللغة المكتسبة كأداة تخاطب فقط وإنما هم أيضا أكثر تذوقا لكل ما هو مرتبط بثقافة تلك اللغة، الفنون، الملبس، نمط الحياة، إلى آخره، والذي يرى هذا البعد عليه أن يتأمله جيدا.
إن خطورة قمع الذات، ذواتنا، و حتى ذوات الآخرين تكمن، ليس فقط في التشوهات التي تحدث في النفس جراء ذلك القمع وإنما في استعداد النفس المقموعة للقيام بسلوكيات ترتبط بالقهر والعدوان أكثر مما ترتبط بالتسامح والاحترام للآخرين، لأنها ببساطة حين قمعت ذاتها انطلقت بالدرجة الأولى من الإقصاء والقمع.
وليس من السهولة بمكان تجاوز مثل هذه التشوهات، بل قد يكلف العلاج جهدا وعملا يعجز عنه الكثيرون في الغالب، فلا يجدون أسهل من العنف تعبيرا عن أنفسهم، والعنف ليس بالضرورة سلوكا بينا نشاهد فيه أشكالا من الاعتداءات أو القتل أو الجريمة، بل العنف قد يأخذ أشكالا عديدة أهمها إقصاء الآخر المختلف والتعدي على كافة أشكال تعبيره عن نفسه، إما بالعدوان المباشر، أو بالتحقير، هذا هو العنف الحقيقي.
جامعة الإمارات