هنالك تغيرات مهمة في الموازين الدولية تجري ببطء ولكن بنمط متصاعد لا يخطئه الراصد. فالصراعات بين الدول الغنية والدول الفقيرة، وبين اليمين واليسار، لم تنته بتفكك المنظومة الاشتراكية، بل اتخذت منحيً جديداً تُستخدم فيه آليات المجتمع الديمقراطي الغربي نفسه.

فهناك تحديات قوية، في مناطق مختلفة من العالم، للنظام العالمي الجديد الذي تفرض الولايات المتحدة معالمه، خاصة في العديد من الدول النامية التي تتعرض أكثر من غيرها إلى زوابع العولمة وأعاصيرها.

يتطلب تحليل ما يجري في الساحة الدولية، نظرة إستراتيجية شاملة، لا تتناول أحداثاً تقع في سنة واحدة أو عدة سنوات، بل تتجاوز ذلك، لتشمل نمط التطور في العالم على مدى حقبة زمنية قد تتضمن عقوداً عديدة من السنين، ولا تقتصر كذلك، على رقعة جغرافية واحدة، بل تربط بين مختلف الأحداث التي تجري في العالم.

فمنذ بداية ثمانينات القرن المنصرم، وحتى عام 2008، تكون الولايات المتحدة قد شهدت فترة عشرين عاماً من حكم اليمين المتمثل بالحزب الجمهوري.

كما ستشهد بريطانيا وضعاً مشابهاً تقريباً، فقد حكم حزب المحافظين في هذه الفترة الزمنية ثلاث دورات انتخابية بزعامة مرغريت تاتشر، ودورة انتخابية واحدة بزعامة جون ميجور.

أما الفترة المتبقية، وهي لحزب العمال بزعامة توني بلير، والمستمرة للدورة الثالثة على التوالي، في سابقة لم يعهدها الحزب في تأريخه، تأتت بسبب كون برنامجه السياسي أقرب إلى البرنامج المحافظ منه إلى البرنامج العمالي التقليدي.

وأفرزت الانتخابات الألمانية سيطرة الحزب الديمقراطي المسيحي، وهو حزب يميني بزعامة هلموت كول، على معظم هذه الفترة الزمنية عدا بضع سنوات من حكم الحزب الاشتراكي بزعامة غيرهارد شرودر، الذي هُزم في الانتخابات الأخيرة، ليعود اليمين من جديد إلى سدة الحكم بزعامة أنجيلا ميركل.

وقد وفرت قساوة الهزيمة التي مُني بها الحزب الاشتراكي الفرنسي، في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، فرصة سانحة عزز فيها اليمين الفرنسي قبضته على الحكم. أما في إيطاليا، فقد سيطر اليمين الإيطالي، وهو تجمع من كبار رجال الأعمال بزعامة برلسكوني، على الحكم لمدة تجاوزت العشر سنوات.

وكان من نتائج صعود اليمين السياسي إلى سدة الحكم في الدول الغربية الغنية، ذات الاقتصاد والنفوذ السياسي الأهم في العالم، طيلة الفترة المذكورة، أن زادت الهوة اتساعا بين الدول الغنية والدول الفقيرة، وبين الأغنياء والفقراء في الدول نفسها.

فاليمين السياسي في الوقت الذي يستمد الدعم الأساسي من الشركات الاحتكارية المالية الكبيرة المتعددة الجنسية، يوفر لها الغطاء السياسي الملائم الذي يساعدها على توسيع مساحات هيمنتها على اقتصادات دول العالم.

وخاصة الدول التي في طور النمو. ولإعطاء فكرة عن حجم هذه الهوة نذكر الفرق الكبير في مؤشر القدرة الشرائية، المعتمد دولياً، للمقارنة بين القدرة الشرائية للفرد الواحد في الدول الغنية والدول الفقيرة، فوفق التقرير الصادر عن صندوق النقد الدولي.

في سبتمبر من عام 2005، بلغت القدرة الشرائية في النرويج للعام 2004 أعلى معدل في العالم وهو 40005 دولارات للفرد الواحد سنوياً، مقابل أوطأ معدل في المنطقة الأكثر فقراً في العالم، تيمور الشرقية، الذي بلغ 400 دولار فقط للفرد الواحد سنوياً.

وقد شهدت الفجوة بين الأغنياء والفقراء، في الدول نفسها، اتساعاً كبيراً مع زيادة النمو الاقتصادي، فعلى سبيل المثال، بينت الإحصائيات التي أجريت في الولايات المتحدة، بأن أغنى 1 % من الأميركيين يمتلكون 40% من ثروة البلد في حين يمتلك 80 % من السكان 16 % فقط من هذه الثروة.

وتعتبر العولمة أحد أهم الآليات التي في متناول هذه الدول لإحكام السيطرة على العالم اقتصاديا وسياسياً وفكرياً. فقد جلبت هذه الظاهرة، خلال العقد الأخير من السنين، المزيد من الترابط الاقتصادي بين الدول والمزيد من عوامل التوحيد للسوق العالمية، إلا أنها من الناحية الأخرى، .

وعلى المستوى السياسي، قد أرست لبنات التباعد والنفور بين الدول الغربية المتقدمة ودول أخرى. فقد جنحت الدول الصغيرة، التي تزداد شدة القبضة على أعناقها، في مناطق مختلفة من العالم، إلى تحدي النظام العالمي الجديد الذي تفرضه الولايات المتحدة، في السياسة والاقتصاد والفكر والثقافة، وقد تجلى هذا الرفض في ناحيتين:

الأولى هي تعاظم قوة الأحزاب الدينية الإسلامية في عدد من دول الشرق الأوسط، كما تبين ذلك في الانتخابات التي جرت في تركيا وإيران والعراق وفلسطين و مصر، وهذا في الواقع تعبير عن رفض الانصهار في الإطار الثقافي والفكري الغربي الذي جاءت به العولمة.

الثانية هي صعود اليسار إلى سدة الحكم في عدد من دول أميركا اللاتينية، التي يعتبرها الساسة الأميركان حديقتهم الخلفية، فقد حافظت كوبا على نظامها السياسي الذي انبثق عن الثورة الكوبية عام 1958 رغم العزلة التي فرضتها الولايات المتحدة عليها منذ قيام الثورة، ورغم المحاولات العديدة التي قامت بها لتغيير نظام الحكم فيها.

وأضافت السنوات الأخيرة دولاً أخرى تعتبرها الإدارة الأميركية دولاً مارقة، ففي فنزويلا، خامس أكبر مصدر للنفط في العالم، صعد إلى سدة الحكم نظام يساري يستند إلى قاعدة شعبية واسعة، فقد وصل الرئيس شافيز إلى موقع الرئاسة بنظام الانتخابات الذي لا تستطيع الولايات المتحدة أن تسفهه.

وقد انضمت البرازيل، كبرى دول القارة اللاتينية، إلى ركب اليسار اللاتيني الصاعد فقد أنتخب لولا داسيلفا ذو التوجهات اليسارية لرئاسة الدولة، أعقبتها بوليفيا التي انتخبت لرئاستها شخصاً يسارياً، إيفو موراليس، وهو سياسي من أصل هندي، وكانت الدولة الأخيرة التي انتمت إلى هذا الركب هي تشيلي بمجيء السيدة باشليه في الانتخابات الأخيرة،.

وهي إحدى المناضلات اللواتي ارتبطن بالزعيم التشيلي الراحل سلفادور أليندي، الذي سحقت جنازير دبابات بينوشيه، أحد أكثر الحكام وحشية في تأريخ أميركا اللاتينية، نظامه المنتخب ديمقراطيا في سبعينات القرن المنصرم. لقد تَولدَت لدى العديد من المثقفين في العالم قناعة زائفة مفادها إن الديمقراطية تسير يداً بيد مع النظام الرأسمالي فقط،.

وقد حرصت المؤسسة الإعلامية الغربية على تسويق هذا المفهوم مستفيدة من فشل البلدان الاشتراكية في بناء الديمقراطية، كما عمدت إلى المبالغة في ذلك والإدعاء بأن الديمقراطية، بشكلها الأمثل، تعني تحرير الاقتصاد كلياً من سلطة الدولة، وهو ما لم تقدم عليه أية دولة غربية، فالكثير من شركات صناعة السلاح، في الغرب، تلقى دعماً مالياً من دولها.

كاتب عراقي

majamal@emirates.net.ae