ما أبعد الليلة عن البارحة: يصدق هذا القول المتواتر على التطور الراهن الذي آلت إليه علاقات الصين والولايات المتحدة.. وينطبق بصورة أدق على الزيارة التي قام بها السيد هو جنتاو رئيس الصين إلى أميركا خلال أيام أربعة بدأت منذ منتصف شهر أبريل الماضي.
وفيما شهدت زيارة 2006 صفحة جديدة في دفتر علاقات واشنطن - بكين فقد شهد عقد السبعينات أولى صفحات هذا الدفتر الحافل بحالات المد والجزر ففي عام 1974 كشف الزعيم التاريخ ماو تسي تونغ عن دعوة وجهتها بكين إلى الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون..
وعندما سألوا الرفيق ماو عن تبرير الزيارة أطلق مقولته الشهيرة: «سمعنا طرقات على أبواب سور الصين العظيم.. فكان أن فتحنا ليدخل إلينا زائرونا الأميركان».
وهكذا بدأت علاقات أميركا (زعيمة الرأسمالية) مع الصين الشعبية (زعيمة الشيوعية) وبعدها تطورت ونضجت علاقات الطرفين وخاصة بعد رحيل الزعيم ماو ومن ثم إمساك زعيم جديد اسمه دنغ هيساو بنغ بمقاليد الأمور في بكين:
صحيح أن الزعيم الجديد كان من رفاق ماوتسي تونغ لكنه - وهذا هو الأهم - كان رجلا مدركا لحقائق الأمور في العقدين الأخيرين من القرن العشرين. ولأنه جاء إلى سدّة الزعامة والحكم في الصين من تحت السلاح كما يقولون، فلم يكن من أحد يزايد على سجله السابق في خدمة بلاده التي دعا إلى انفتاحها على عالمها وتفاعلها مع عصرها. ونبذ القوالب المذهبية الجامدة.
لقد تعامل الزعيم ماو مع أميركا بوصفه مفكرا عقائديا وتعامل الزعيم بنغ مع واشنطن بوصفه سياسيا متفتحا ولكن جاء الرئيس الحالي هو جنتاو إلى لقاء الرئيس بوش في صورة أقرب إلى هيئة مديري البنوك أو قيادات البيزنس: بدلة أنيقة بغير مبالغة.. نشاط جم يفوح بحمية الشباب ولو نسبيا، ابتسامة عريضة ودائمة أقرب ما تكون إلى ابتسامات خبراء الدعاية والإعلام.
والواقع أن رجل الصين الجديد جاء إلى أميركا تسنده إنجازات مرموقة حققها ذلك البلد الأسيوي الذي يضم - كما هو معروف - ربع سكان الكرة الأرضية وربما أكثر:
يكفي أن الصين ما برحت تحقق معدلا إنمائيا وصل إلى خانتين (الآحاد والعشرات) وربما استقر في العام الماضي عند رقم 10 في المئة في السنة وهو معدل مرتفع بشكل مشهود ومرموق وكان ذلك أساسا بفضل ازدهار صادرات الصين إلى العالم بشكل عام وإلى الولايات المتحدة على وجه الخصوص.
لا عجب أن يكون على رأس محادثات الطرفين الصيني والأميركي مطالبة واشنطن بأن «تتكرم» الصين وتعمل على «رفع» سعر صرف عملتها (اليوان) بعد أن أدت عملتها المنخفضة القيمة إلى طرح تدفقها السلعي الذي لا يكاد ينقطع بأسعار متهاودة لم تستطع مجاراتها القوى المنافسة صناعيا لا في الاتحاد الأوروبي .
ولا في الولايات المتحدة، فيما شهدت دوائر منصفة على الصعيد الدولي بأن بكين قد نجحت إلى حد ليس بالهين في تجويد منتجاتها مستغلة في ذلك ميزتها النسبية المتمثلة في عمالة رخيصة، فكان أن جمعت منتجاتها بين سعر مائل إلى الانخفاض وجودة مائلة إلى الارتفاع.
ويكاد المراقبون مجمعون أيضا على أن الجانب الأميركي لم يفلح بعد في إقناع النظير الصيني بحكاية رفع سعر العملة.. ونحن نرى أن هذا الفشل جاء فيما جاء بعد نتائج الملابسات السلبية التي واكبت زيارة الضيف الصيني القادم من بكين.
ها هي نيويورك تايمز تنشر موضوعا تحليليا لملابسات ونتائج هذه الزيارة (عدد 22/4) تشير مثلا إلى سوء تخطيطها وإدارتها مما تجلى أولا في أن الجانب الأميركي لم يشأ أن تكون زيارة «دولة» وإنما اكتفى بأن تكون «زيارة رسمية» التي يصنفها العرف الدبلوماسي الدولي عند مرتبة أقل من حيث مظاهر الحفاوة وكرم التشريف.
ومع ذلك فالجانب الصيني «اختار» تجاهل هذا الفرق في مستوى الزيارة - وربما تعمد ذلك حتى يعطي للضيف الصيني مزيدا من حرية الحركة الاقتصادية، دون أن يحبسه مكبلا في أغلال المحادثات السياسية التي تفضي منطقيا إلى إذاعة مواقف معلنة ومسبقة أو تكاد تكون إزاء قضايا السياسة ومشاكل العالم.
ثم ان الزيارة عانت ثانيا من ارتباك التخطيط في هيئة مراسم البيت الأبيض.. وعندما وقف الرئيسان الصيني والأميركي في مدخل الحديقة الجنوبية من المقر الرئاسي في واشنطن..
وفيما شرع الضيف الصيني في إلقاء خطابه فوجئ الحاضرون بسيدة تصيح في الجمع المشهود موجهة سيلا من السباب إلى الرئيس الصيني واصفة إياه بالقاتل والسفاح وعدو الإنسانية.. الخ.
واتضح أنها صحافية معتمدة من البيت الأبيض وأنها من صفوف المعارضة الصينية وما أن سحبوا السيدة بعيدا، وكاد الجو يصفو حتى أعلن مسؤول بالمراسم الأميركية عن عزف السلام الوطني «لجمهورية الصين» وهو الاسم الرسمي القديم لتايوان (!) عدوة الصين الشعبية تاريخيا كما لا يخفى عليك.
ولا يخفى كذلك أن اعتذارات قدمت وأن محاولات لتصفية الأجواء قد بُذلت ولعل في مقدمتها الاعتذار بأن البيت الأبيض شهد وما برح يشهد تغييرات وتبديلات في كبار الموظفين والمساعدين والمستشارين من الحلقة المقربة من رئيس الدولة.
ومع هذا كله، وفي التحليل الأخير، فنحن نتصور أن الجانب الصيني قد خرج رابحا من صافي عوائد الزيارة: بدأ بالصبر متحملا تنزيل رتبة الاستضافة ولكنه حقق مكتسبات لا يستهان بها من لقاءات مسؤولي الوفد الصيني الزائر مع كبار رجال الأعمال الأميركان وخاصة الاختصاصيين في تكنولوجيا المعلومات.
وهي القاطرة، بل الصاروخ الطائر، الكفيل بتحليق الصين وأي دولة في عالمنا إلى ذري عليا في مجال النمو والتقدم، ولم يفلح الجانب الأميركي في معالجة قضية الزيادة المطردة في واردات الصين من إمدادات النفط العالمي، ولا نجح في التأكيد التقليدي على قضايا حقوق الإنسان في الصين.
وربما بلغت النظر بالنسبة للقضية الأخيرة ذلك الخطاب المهم الذي حرص الرئيس الصيني هو جنتاو على إلقائه في جامعة ييل الأميركية المرموقة واختتمه بعبارة لها دلالة الرسالة الموجهة إلى كل من يعنيهم الأمر وقال فيها: «إن الصين تتحرك نحو مزيد من الديمقراطية ولكنها لن تقبل أن يملي عليها أحد ما تفعله».
كاتب مصري