كانت الدعوة التي أطلقها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي صرخة قوية في الخطر الذي يتعرض له البناء الاجتماعي والديمغرافي ( السكاني ) والثقافي في الإمارات من موجات عاتية تهدد خصوصيته أولا وتاليا تطال وجوده.
وحين تأتي دعوة التشبث بالمنطقة السكنية وبالمنزل وصولا إلى فكرة التشبث بالمكان ابتداء من رجل بهذا المستوى من المسؤولية والعلم ببواطن الأمور فإننا جميعا مطالبون بأن نعي القضية جيدا وبكل أبعادها وبالإصغاء إلى الدعوة المهمة، لأن مضامينها من الخطورة بحيث تستحق النقاش والاهتمام وعلى جميع المستويات وربما أكثر من أي موضوع آخر يطرح للنقاش اليوم على المنصات وفي المنتديات.
يقول الشيخ محمد بن راشد ان «على المواطنين الا يغادروا مناطقهم السكنية وأن يتشبثوا بمنازلهم تحت أية ظروف ليحافظوا على خصوصيتهم وبيئتهم التي نشأوا وتربوا فيها» أما الجهات المعنية وصاحبة الاختصاص فان عليها أن «تسرع في إيجاد الحلول الجذرية والمعقولة للمساكن القديمة.
وإحلال بديل عنها بما يتناسب والنهضة الحضارية التي تشهدها البلاد وبما يوفر في الوقت نفسه العيش الكريم لسكان هذه المنازل».
أولا فان تقاسم المسؤولية أمر في غاية الضرورة، حيث لا يستطيع الفرد لوحده أن يواجه إشكالية بهذه الخطورة والتكلفة، وعليه فان الحكومة هي الأكثر قدرة على أخذ هذه المسؤولية في نطاقها الوطني الآني والمستقبلي.
أما ثانيا وهو بذات الأهمية فيتعلق بضرورة اقتناع المواطنين بهذا التوجه الذي دعا إليه الشيخ محمد بن راشد، ضرورته لهم ولأبنائهم ولاستقرارهم الأسري والاجتماعي والنفسي في مناطقهم وأمكنتهم التي تربوا فيها ويعرفونها جيدا بدل حالة الاجتثاث الاختياري الذي يمارسونها ضد وجودهم دون وعي أحيانا واستلابا أمام بذخ المنازل الجديدة!
ربما يكون من المناسب استحضار بعض الأمثلة التي تؤكد مدى أهمية هذا التوجه بعدم مغادرة المناطق والأحياء التي تربينا وعشنا فيها طويلا، فقد أثبتت المشاهدات والحالات الكثيرة التي انتقل أصحابها من منازلهم التي سكنوها لفترات طويلة إلى الأحياء الجديدة بأن معظم هؤلاء الناس لا يتمكنون من التأقلم في البيئات الجديدة التي انتقلوا إليها.
وبأنهم يبذلون محاولات يائسة أحيانا للدخول في حالة الحي الجديد القائم على فكرة التجمع العشوائي، وليس الجماعة المتجانسة المترابطة اختياريا وعلى أساس تاريخ وذكريات وعلائق من الجيرة والصداقة والمواقف الحياتية المتراكمة عبر الزمن.
من هنا نتفهم ضرورة البقاء في حارات التنشئة الأصلية التي تشكل حالة من الحصانة والحماية ضد كل التحديات النفسية والصحية والاجتماعية بما تحويه من مضامين اجتماعية، ثقافية، دينية يحتاجها الفرد ليحيا حياة اجتماعية صحية ومتوازنة تمكنه من الإنتاج في عمله وتربية أبنائه وتعليمهم وتنشأتهم في بيئة صحية وآمنة، ومتواصلة مع نهج التنشئة الاجتماعية السائد في المجتمع بعيدا عن حالة الاغتراب والاحباطات والشروخات الاجتماعية.