قبيل هزيمة يونيو 1967 بدأت مصر تضيق بقضاتها، فالنظام كان يعاني أزمات كثيرة.. أزمة الانفصال عن سوريا وأزمة التورط في حرب اليمن وأحست السلطة (وأخص هنا عدداً من الشخصيات التي كانت تحيط بالرئيس عبدالناصر) أنها بحاجة إلى نوع من التفرد بالقرار لإخماد بعض الأصوات التي كانت تلهج بمعارضة النظام سواء في الجلسات الخاصة أو على صفحات بعض الصحف.

ولما كان القضاء يمثل قيداً على مثل هذه التصرفات بدأ المحيطون بناصر يرددون مقولات تنبئ عن احتقار القضاء.

ظهر ذلك جلياً في تصرفات شمس بدران وعبدالحكيم عامر بشكل خاص، فالأول نقل عنه تبرمه من القضاء العادي وأعلن صراحة أنه ضد تدخل النيابة العامة في التحريات والتحقيقات المرتبطة بالقضايا التي تخص أمن الدولة، لأن معظم القضايا التي تحال إليها تنتهي بالبراءة.

وقال بالحرف: إن النيابة تسير فيها الأمور بالطرق القانونية ولذلك ينبغي أن تحال الموضوعات إلى جهات ثورية كالمخابرات العامة والمخابرات العسكرية.

أما الثاني وهو عبدالحكيم عامر فقد نقل عنه أنه طلب من وزير العدل إصدار أمر بالقبض على عدد من الصحافيين، ولما لم ينفذ الوزير هذا الطلب اتصل به المشير غاضباً وسأله: لماذا لم تقبض على الصحافيين فأجابه الوزير: القانون يافندم فرد باستهزاء: قانون إيه بلاش تخلف.

كانت هذه مقدمات لمذبحة القضاء التي تمت عام 1969 والتي انتهت بعزل 127 قاضياً لأسباب سياسية، ويراها البعض باعتبارها كانت إحدى ارهاصات هزيمة يونيو 1967.

ورغم أن مذبحة القضاة مثلت جرحاً غائراً في جبين قضاء مصر، إلا أن قضاة اليوم يرونها كانت أكثر نبلاً مما يجري الآن، فالسلطة كانت لديها الشجاعة لإعلان قرارها بعزل القضاة، أما اليوم، فهي تحيل ذبح القضاء للقضاء نفسه عبر إحالة اثنين من المستشارين إلى لجنة صلاحية قضائية تقرر ما إذا كان محمود مكي وهشام البسطويسي.

وهما نائبان لرئيس محكمة النقض يصلحان للاستمرار في العمل القضائي من عدمه ويشبهون الأمر في 1969 بأنه قتل بالسيف أما اليوم فهو قتل بالسم. كل ذنب القاضيين أنهما طالبا بالتحقيق مع القضاة الذين شاركوا في تزوير الانتخابات الأخيرة، وقبلا الظهور على قنوات فضائية للحديث عما شاب هذه الانتخابات من انتهاكات.

ويكاد التاريخ يعيد نفسه فالأسباب التي قادت إلى مذبحة 1969 تتكرر بشكل أو بآخر، والسلطة تريد التفلت من الأزمات التي تحاصرها من كل اتجاه، ومن ثم فإن الحديث عن سلطة مستقلة تماماً في قراراتها غير السلطة التنفيذية يثير حفيظة الممسكين بمقاليد الأمور إذ إنهم لا يريدون رقيباً على تصرفاتهم حتى تمر القرارات الخاصة بنقل السلطة من فرد إلى فرد ومن جيل إلى جيل بسلاسة ودون تعقيدات.

وإذا كان القضاء بذاته لا يمثل عائقاً أمام مثل هذا الانتقال فإن تجلياته المتمثلة في انتخابات تشريعية نظيفة واستفتاءات رئاسية لا يتم تزويرها هي العقبة الكأداء أمام تحقيق طموحات كهذه لم تعهدها مصر من قبل.

كثيرون في مصر وخارجها متشائمون من الأزمة الحالية إذ يرون فيها إحدى بوادر انهيار الدولة وربما مقدمة لنكسة جديدة لا يعرف أحد من أي اتجاه يمكن أن تعصف، لكن السلطة تصر على وجهة نظرها المبنية على أن ما يحدث يمثل نوعاً من التمرد تعودت الدولة على أن تتعامل معه أمنياً.. غير أن المسألة هذه المرة أعمق بكثير، ولا يدري أحد ما إذا كان هذا التمرد الذي يحدث من فئة هي أكثر الفئات حكمة وعقلانية من حسن حظ مصر أو من سوء حظ السلطة؟

magdishendi@hotmail.com