الغلاء صار مثل الموجة العاتية لا سبيل لمواجهته ولا طريقة لكبح ارتفاعاته، كما أن الوقوف في وجهه بات وكأنه يشبه الانتحار، والدليل انه حتى اللحظة لم تتمكن الجهات المسؤولة في الدولة من الحد منه أو وضع آليات لضبطه، كل ما نسمعه وما نقرأه لا يعدو كونه كلام جرايد كما يقول عامة الناس عندنا حتى صار خبراً مثل «مشروع حكومي جديد لمكافحة غلاء الأسعار «يشبه المزحة الثقيلة!».

وفي مسألة غلاء الأسعار والخدمات والإيجارات وأقساط المدارس والأدوية والبنزين والسمك والحليب وغيرها من السلع والاحتياجات الضرورية، ينقسم الناس في البلد إلى فئات:

فئة لا تشعر بأن هناك غلاء أصلاً، وهذه الفئة تدفع دون أن تسأل عن سعر السلعة ودون أن تعد النقود التي يسلمها لها البائع بعد خصم الثمن، هؤلاء لهم وضعهم المادي الذي لا نحسدهم عليه ولا نقارن أنفسنا به فلله في خلقه شؤون!

وفئة تحاول أن تحشر نفسها وسط الطوابير الواقفة أمام ماكينات الدفع وهي تعد نقودها ألف مرة أو بالاعتماد على بطاقات الائتمان البنكية لتضيف إلى ديونها ديوناً أخرى.

ولتظل مربوطة هكذا بعجلة الديون والفوائد المركبة طول العمر لأنها تريد أن تعيش كغيرها من الناس، على اعتبار أنها تعيش في مجتمع استهلاكي صرف أولاً، ومن المجتمعات الأكثر غلاءً في العالم، وعليه فكيف يتصرف وما العمل؟ لا حل سوى الديون وبطاقات الائتمان!

وفئة تريد أن تحيا كما يعيش الأغنياء والمترفون وتعتقد بأن ذلك من حقها كما هو من حق أولئك الذين يملكون الأموال، لكن مشكلة هذه الفئة أنها لا تملك المال ولا المناصب التي تدر المرتبات العالية فماذا تفعل؟

وأمام هذا السؤال تنفتح بوابات لا حصر لها هنا كما في أي مجتمع، فبعضهم يدخل سوق الأسهم باعتباره أقصر الطرق لاختصار المسافة بين الفقر والغنى.

وبعضهم يتاجر في التأشيرات واختراع المنشآت الوهمية التي أرسل الله إليها د. علي الكعبي وزير العمل لينقض بنيانها من جذوره ـ فجزاه الله خيراً ـ وبعضهم لا يبيع أسهماً ولا تأشيرات لكنه يبيع نفسه بأشكال مختلفة معتقداً بأنه يفعل ذلك ليعيش.. فهل يعيش فعلاً؟

وفئة تكدح ليلاً ونهاراً، تتعلم، تدرس، تسافر، تحصل على أفضل مستويات التعليم والدراسة، تثقف نفسها، تتدرب، تستفيد من فرص التأهيل ورفع الكفاءة، تصبر، تكافح، تنتظر الفرصة لتخدم بلدها أولاً.

ولتستفيد من ثمرات الانفتاح والثروات المتدفقة ثانياً، لكنها نادراً ما تحصل على شيء من قرص العسل بسبب كثرة النمل الذي يأتي مهاجراً من الخارج شرساً بأكثر مما يمكن تصوره بحيث يلتهم القرص والعسل، تاركاً المكافحين يمضغون المرارة!!

sultan@dmi.gov.ae