يميل بعض المهتمين بشؤون الشرق الأوسط إلى تقسيم تاريخه المعاصر الى حقب على اسس سياسية. فهناك حسب تقسيمهم الحقبة الناصرية التي تلتها الحقبة السعودية وفي تسمية اخرى الحقبة النفطية، ثم الحقبة الإسرائيلية، وأخيرا الحقبة الأميركية. وانطلاقا من هذه التقسيمات فإن هناك ملامح تتشكل، وفقا للعديد من المهتمين، تؤكد ان الحقبة المقبلة في المنطقة سوف تكون الحقبة الإيرانية.

وأول هذه الملامح يتمثل في نجاح ايران في عملية تخصيب اليورانيوم وما يعنينا في هذة الامر ليس انها سوف تصبح قوة نووية، ولكن رد الفعل الشعبي المرحب لدى البعض بهذة الخطوة وهو لم يقتصر في المنطقة على الأقليات الشيعية فقط وانما شمل بصورة اوسع بعض الفئات من السنة.

وعلى الرغم من ان حكومات دول المنطقة كلها اكدت ان هذا التطور يمثل خطورة على الامن الوطني لمعظم الدول العربية وانها لن تكون بمنأى من الخطر،الا ان هذه الاطروحات لم تجد اي صدى لدى بعض المجموعات، الأمر الذي أعطى إيران شيئا من الشرعية لدى البعض.

وهي شرعية مماثلة لما تولد لدى هذا البعض تجاه إيران بعد نجاح ثورتها الإسلامية. وثاني ملامح هذة الحقبة، ما أصبح حديث كل المراقبين المهتمين بشؤون المنطقة، سطوع نجم الشيعة في كل من العراق ولبنان وأماكن أخرى. وعلى الرغم من ان هناك مؤشرات متعددة.

تؤكد ان هناك مبالغة في التحليلات الخاصة بهذا الشأن، الا اننا لايمكن ان نتجاهل العاملين الرمزي والروحي في مثل هذا الامر الذي يعطي ايران الفرصة في حشد مؤيدين في بعض الدول العربية فضلا عن انه يوسع امامها من الخيارات المتاحة للتعامل مع اي ازمة او مشكلة تواجهها سواء اقليميا ام دوليا.

وهذا الملمح بالذات هو الاكثر اهمية بالنسبة لايران لانه رفع عنها الحظرالدبلوماسي الأميركي بالنظر إلى محاولات الولايات المتحدة ان تفتح حوارا مع ايران بشأن العراق. وهي انطلاقا منه يمكن ان يكون لها دور مركزي فيما يتعلق بمستقبل لبنان استنادا الى دور ونفوذ حزب الله في لبنان

. وإذا كانت الولايات المتحدة تحاول ان تثير مخاوف قوى اقليمية بها اقليات من مخاطر الدور الايراني الهادف الى تصدير الثورة، او تأليب هذة الاقليات على حكوماتها.

الا ان هذا الامر يعد سلاحا ذا حدين لأن هذه المخاطر يمكن ان تدفع نفس الدول الى بناء علاقات قوية مع ايران بهدف تهدئة الاقليات ، او من اجل تحييد ايران نفسها ازاء الصراع مع هذه الاقليات وفي كل الحالات فإن ذلك يجعل ايران تبسط من نفوذها الاقليمي في المنطقة المحيطة بها.

وثالث ملامح هذه الحقبة ان ايران انطلاقا من ادراكها للحصار الذي تواجهه حركات النضال الشعبي والجماهيري والدول المفترض ان تكون حليفة لها في هذه المرحلة لاتضع وزنا كبيرا للحسابات الانية والقصيرة في خطواتها تجاهها، على النحو الذي تفعله دول اخرى مثل مصر والأردن.

ومن هنا جاءت مساعداتها المالية لحركة حماس في الوقت الذي كانت تضغط فيه دول اخرى عليها من اجل الاعتراف بإسرائيل. وهذا الأمر كشف من جهة حكومات هذة الدول ازاء شعوب المنطقة، وأعطى لإيران صورة قوية ومشرقة لدى البعض وهي قادرة على القيام بمثل هذة التحركات بالنظر الى ثروتها البترولية والى زيادة اسعار النفط في الوقت الحالي.

وبالطبع لا يستطيع احد ان يوافق على مبدأ تحقيب التاريخ على هذا النحو لاننا لو درسنا كل حقبة من التي حددوها سوف نجد انها لاينطبق عليها التسمية التي اطلقوها عليها، وهذه التسمية لاتتعدى في اغلب الاحوال «الشو» الاعلامى المطلوب لاحداث اهتمام لدى الرأي العام او لدى بعض الدوائر السياسية.

ولكننا لو وافقنا على المبدأ التحقيبي، فإننا سوف نجد ان الاطروحة التي يقدموها لاتستند الى اساس صلب. وهذا الأمر يعود الى ان كل حقبة من الحقب كان لها ظرف دولي ساعد على تكريسها على النحو الذي كانت عليه، فلا نستطيع ان نفصل الحقبة الناصرية عن انشطة حركات التحرر الوطني في العالم الثالث وعن تطورات الحرب الباردة بين المعسكرين الغربي والشرقي.

ولا نستطيع ان نفصل الحقبة النفطية عن ارتفاع اسعار النفط الذى جرى في السبعينات من القرن الماضي وخاصة بعد حرب اكتوبر 1973، هذه الحرب التي كان لها أثار بالغة على أسواق وأسعار النفط بالقدر الذي أحدث انتعاشة كبيرة في اقتصاديات الدول المنتجة للنفط، ومنها السعودية وإيران أيضا.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن الطموحات النووية الإيرانية بدأت في عهد الشاه مع الطفرة النفطية التي حدثت في أعقاب حرب 1973 ولا يمكن ان نجد تطورات يمكن ان نطلق عليها الحقبة الاسرائيلية لأن تطورات غزو لبنان عام 1982 لم تساعد على تكريس هذة الحقبة.

والآن في ظل هيمنة قوة واحدة على النظام الدولي هي الولايات المتحدة وحالة العداء التي تكنها لايران خصوصا وللظاهرة الاسلامية عموما لايمكننا القول بوجود هذة الحقبة على الإطلاق، لأن الطرف الأميركي وحلفاءه الاقليميين مثل تركيا واسرائيل.

و غيرهما سوف يعملون جميعا على الحيلولة دون بروز حقبة جديدة في المنطقة تلعب فيها ايران دورا رئيسيا او مركزيا، ولكن الذي يمكن ان يعطى لايران دور في التطورات المقبلة هو ان الاطراف الاخرى وعلى الاخص الولايات المتحدة الأميركية سوف تحسب في كل خطوة من خطواتها في المنطقة رد الفعل الايراني وايضا مدى استفادة ايران .

او تأثرها بهذة الخطوات الامر الذي يعني انها سوف تلعب دورا في التطورات المقبلة ولكن بالسلب، وبعضها قد تستفيد منه قوى في المنطقة قد تكون حليفة لإيران. وهو ما يعني انها لن تكون حقبة ايرانية ولكن ايران سوف تلعب دورا في تحديد مستقبل هذه المنطقة لحقبة من الزمن.

كاتب مصري