رفضت إسرائيل والإدارة الأميركية ودول الاتحاد الأوروبي التعامل مع السلطة الفلسطينية أو الحوار معها أو إجراء لقاءات مع مسؤوليها، كما أوقفت المساعدات التي كانت تقدمها للسلطة الفلسطينية والشعب الفلسطيني.

وأعلنت أن استئناف التواصل أو تقديم المساعدات من جديد يتحققان بعد أن تعترف السلطة الفلسطينية المنتخبة (التي تسميها حكومة حماس) بإسرائيل وتلقي السلاح وتدين المقاومة المسلحة، وبعد ذلك يمكن البحث في إمكانية إعادة النظر بهذه المواقف دون التزام مسبق بذلك.

منذ قيام إسرائيل وحتى اليوم تذكّرنا الحكومات الإسرائيلية المتتابعة والإدارة الأميركية الحليفة والسياسات الأوروبية المؤيدة بأن ألف باء حل الصراع العربي الإسرائيلي.

ومن ثم (بعد أوسلو) حل الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي ينطلق من الاعتراف المسبق بإسرائيل بدون قيد أو شرط. وإلا فإن العرب لا يريدون تأكيد حسن نواياهم بل لا يريدون السلام، وفي السنوات الأخيرة ألصقت تهم الإرهاب والتعصب ومعاداة السامية بمن لا يخضع لهذا المطلب المسبق، حتى غدت المسألة وكأنها صراع على الاعتراف بإسرائيل.

وليست صراعاً على استعادة الحقوق الفلسطينية والعربية، واستساغ الإسرائيليون والإدارات الأميركية والدول الأوروبية هذا الشعار الذي يخلصهم جميعاً من الحرج عندما يطالبهم العرب بالاعتراف بحقوقهم تمهيداً لإيجاد حل عادل وشامل.

ومع ذلك وعلى فرض أن السلطة الفلسطينية والبلدان العربية الأخرى تريد الاعتراف مسبقاً بإسرائيل، فمن البديهي أن تتساءل أية إسرائيل تريدوننا أن نعترف بها، وماهي حدودها. فمن المعروف أن إسرائيل حتى الآن دولة بلا حدود، متروك أمر ترسيم حدودها للظروف، ومادامت قادرة على التوسع فإنها لاترى ضرورة لترسيم الحدود، وبالتالي فعلى السلطة الفلسطينية والعرب الاعتراف بإسرائيل ضمن حدود لا يعرفونها.

ولايعرفون حتى من يرسمها وبأية طريقة. وقد لعبت الحكومات الإسرائيلية هذه اللعبة منذ قيام إسرائيل وكانت دائماً ترفض الحدود القائمة دون أن تشير إلى الحدود المطلوبة لأن الأمر برمته متروك لإمكانيات التوسع بالعدوان أوبغيره.

مع بداية هجرة اليهود إلى فلسطين في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين طرحت الحركة الصهيونية شعار العودة إلى (أرض الميعاد) وأغرت اليهود كي يهاجروا بمقولة (أعطي لك ولنسلك من بعدك أرض غربتك كل أرض كنعان ملكاً أبدياً) (8/17/ تكوين) ثم حققت الحركة الصهيونية انتصارها بالتعاون مع المستعمر البريطاني.

والدعم الأميركي والغربي بإقرار مشروع التقسيم من قبل الأمم المتحدة ولكن المشروع لم يسلب أرض كنعان كلها بل سلب (56%) من مساحتها، مع أن عدد اليهود لم يكن يتجاوز (30%) من عدد السكان، ثم وسعت حكومة إسرائيل هذه الحصة في حرب (1948) لتصل إلى ثلاثة أرباع مساحة فلسطين واستندت على إمكانيات الدولة الجديدة لتنطلق لتحقيق مشاريع التوسع.

وتجاوزت المقولة السابقة وأخذت تعمل لصالح مقولة أخرى هي (لنسلك أعطي هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات) (18/5/تكوين) وأخذت تتطلع لا لاحتلال فلسطين التاريخية فقط بل لاحتلال أراض عربية خارج فلسطين، وأبقت الحدود دون تعريف ولا ترسيم.

بعد عدوان يونيو (1967) واحتلال سيناء والضفة الغربية وغزة والجولان بدأت الحكومات الإسرائيلية المتتالية تسعى لتحقيق هدف إسرائيل الكبرى، فضمت القدس المحتلة إلى دولة إسرائيل ثم ضمت الجولان فيما بعد واعتبرت الضفة الغربية وغزة أرضاً مختلفاً عليها وليست أرضاً محتلة.

ثم بدأت تناور لتخلق الظروف المناسبة لضم سيناء، لكنها اضطرت لأسباب عديدة ديموغرافية وقانونية وظروف سياسية إقليمية ودولية للتراجع مقابل صلح مع مصر والأردن، واكتفت بضم الجولان السوري، وبقي أمر حدود الدولة الإسرائيلية معلقاً ومتروكاً للظروف المستجدة وتوازن القوى وإمكانيات التوسع والعدوان.

تبنى إيهود أولمرت رئيس الوزراء الإسرائيلي الجديد مشروع سلفه شارون الذي يتضمن ترسيم حدود إسرائيل من طرف واحد، وأفصح هو وغيره أكثر من مرة أن هذه الحدود تتواءم مع الجدار العازل إضافة إلى ضم القدس الكبرى ومناطق من غور الأردن وطرقاً التفافية بحيث تأخذ حوالي (58%) من مساحة الضفة الغربية، وهذه هي الحدود الرسمية التي تطالب بها مبدئياً.

أما الحدود الأمنية فتشمل كامل الضفة الغربية وغزة والجولان وصولاً لقرب دمشق مع بقاء سيناء مجردة من السلاح تقريباً. إلا أن مشروع شارون ـ أولمرت هذا مازال مرفوضاً من اليمين الإسرائيلي الذي يشكل ثلث عدد أعضاء الكنيست والذي مازال يطالب بأرض (إسرائيل الكبرى) التي لايعرف هو أبعادها.

هكذا نلاحظ أن أحداً لا يعرف حدود إسرائيل لا الإسرائيليون ولا الأميركيون ولا الأوروبيون ومع ذلك يطالبون السلطة الفلسطينية والدول العربية الاعتراف بها بدون حدود أي الاعتراف بإسرائيل القابلة للتوسع مجدداً في الأراضي العربية دون التزام بإيقاف هذا التوسع أومعرفة إلى أين سيصل في نهاية المطاف.

إنه لمن العبث مطالبة السلطة الفلسطينية والدول العربية الاعتراف المسبق بإسرائيل غير المعروفة حدودها ولا حتى ماهيتها (مثلاً هل هي دولة توراتية تمتد من النيل إلى الفرات أم دولة حديثة تخضع للقانون الدولي؟)، ومن الواضح أن الحكومات الإسرائيلية لاتخفي رغباتها التوسعية والعدوانية، وأن السياسة الأميركية وحلفاءها الأوروبيين وجدوا في مطلب الاعتراف ضالتهم التي تغطي عورتهم وانحيازهم، وهم يدركون أنه ليس إلا إذعاناً من الفلسطينيين والعرب وقبولاً بدولة غامضة المعالم والأهداف والمطامع.

مع تناسي الحقوق الأساسية للعرب، حقوق استعادة الأرض المحتلة وعودة اللاجئين وغض النظر عن القرارات الدولية، ويتجاهلون المظالم التاريخية التي وقعت على الفلسطينيين والعرب ويطالبونهم بالاعتراف المسبق والقبول المسبق بدولة (هيولية) وتجريد أنفسهم من كل مقاومة، وإن رفضوا يتهمونهم بالتطرف ومعاداة السلام.

لقد أخذت إسرائيل بموجب قرار التقسيم (56%) من أراضي فلسطين. وتوسعت حصتها نتيجة حرب (1948) لتصبح حوالي (74%) من هذه الأراضي، ثم احتلتها كلها بعد عدوان يونيو 1967 واحتلت أراضي عربية غيرها، ويريدون من العرب الآن لا قبول هذا كله فقط بل قبول إسرائيل مفتوحة بحدود وإمكانيات توسع مفتوحة، وإلا فهم لاساميون وإرهابيون ولا يصلحون شركاء للوصول إلى تسوية.

كاتب سوري