قبل عشر سنوات تقريباً، زرت ومجموعة من الزملاء الصحافيين محافظة سيناء وخصوصاً مدينة العريش، ورفح الملاصقة تماماً للحدود مع فلسطين المحتلة. رأينا على الطبيعة ما كنا نجهله، اكتشفنا تغلغلاً إسرائيلياً اقتصادياً رهيباً، يبدأ بالصابون ولا ينتهي بالأحذية والصنادل.

خلال الزيارة التي استمرت عشرة أيام، التقينا بمحافظ شمال سيناء، وهو في الأصل كان ضابطاً كبيراً.. بحماس الشباب اندفعنا في الأسئلة والاتهامات، وكيف يسمح بالبضائع الإسرائيلية وهي تغطي شارعي العروبة وجمال عبدالناصر، وسألناه كثيراً عن تعمير سيناء.

ولماذا يتم التركيز فقط على السياحة؟ الرجل، وكان شديد التهذيب، تفهَّم قسوتنا في الأسئلة وأمر بحملة على المحلات التي تبيع البضائع الإسرائيلية، وطمأننا بأنه ورغم كل القيود فإن مصر تعرف من هو عدوّها.

في ذلك الوقت، كان الجدل لا يزال محتدماً حول رؤيتين: هل يتم تعمير سيناء وتحويلها إلى مستوطنة بشرية لتكون سداً طبيعياً أمام أي غزو خارجي، أم تظل شبه خالية حتى لا يتم تدمير هذه التنمية خلال أي معركة مقبلة؟

ولسوء الحظ، فإن هذا الجدل لا يزال مستمراً حتى هذه اللحظة. الذي تغيّر فقط هو التوسُّع في المشاريع السياحية على حساب أي مشاريع تنمية حقيقية تراعي سكان هذه المنطقة أولاً، وخدمة كل الوطن ثانياً، بحكم الثروات الطبيعية الموجودة فيها. صحيح أن الحكومة أنفقت الكثير لتشييد البنية الأساسية في سيناء، لكن أغلب الظن أن معظم هذا الإنفاق لم يتم التخطيط له في إطار مشروع وطني نهضوي، بل انتهى بحسن أو سوء نيّة إلى جيوب بضعة مستثمرين، وتم اختزال المحافظة بأكملها في السياحة.

أما الزراعة، فلم نقرأ في معظم الأحيان إلا عن زراعة المخدرات، وصارت شرم الشيخ رمزاً لمؤتمرات ولقاءات التطبيع، أو مكاناً للتسلية واللهو.

وخلال العامين الماضيين، بدءاً من أكتوبر 2004 مروراً بيوليو 2005 ونهاية بالأسبوع الماضي، صار أكثر ما يُعرف عن سيناء هو التفجيرات الدموية التي ضربت طابا وشرم الشيخ وأخيراً دهب.

من يا ترى يقف وراء ذلك؟ أو بعبارة أوضح من المستفيد؟

أكره تماماً استخدام نظرية المؤامرة تفسيراً لكل مشكلاتنا العربية، لكن يصعب كثيراً استبعاد «العامل الإسرائيلي» في هذه التفجيرات، وبالمنطق البسيط، أو بغيره، فليس هناك من متهم ظاهر سوى إسرائيل والأسباب كثيرة ومتعدِّدة:

ميدانياً، فإن سيناء هي لسوء الحظ.

ومنذ اتفاقيات كامب ديفيد عام 1978، تحوَّلت إلى ساحة خلفية أو ملعب مفتوح أمام الصهاينة يمرحون فيها كيفما شاؤوا، يدخلون أجزاء كبيرة فيها بالبطاقات الشخصية، أعدادهم مهولة، كثير منهم لا يزال يعيش في وهم أن سيناء جزء عزيز من «أرض الميعاد»، وبما أن غالبية أو كل الإسرائيليين هم عملياً مجنّدون في جيش الاحتلال أو الاحتياط، فعلينا ألا نستبعد شيئاً.

أخلاقياً، ليس هناك رادع أمام إسرائيل، فإذا كانت قد تجسست على أميركا التي هي «ولية نعمتها وسبب وجودها» عبر قضايا كثيرة من جوناثان بولارد، في منتصف الثمانينات وحتى لاري فرانكلين قبل أسابيع، وإذا كانت قد قتلت يهوداً عراقيين في الخمسينات كي تدفعهم للهجرة إلى فلسطين المحتلة، فهل يردعها تنفيذ تفجيرات في سيناء؟

سياسياً، إن مصر الضعيفة المنعزلة والبعيدة عن دورها الطليعي عربياً هي هدف ليس فقط في جوهر السياسة الإسرائيلية الراهنة، بل في صميم الاستراتيجية الأوروبية ـ الأميركية وتمثل ذلك خصوصاً في ضرب تجربتي محمد علي عام 1840 وجمال عبدالناصر في عام 1967.

اقتصادياً، إن استمرار التفجيرات في المواقع السياحية، خصوصاً في سينا، يوجه ضربة قاصمة للاقتصاد المصري الذي بات يعتمد في السنوات الأخيرة على عائدات السياحة بديلاً لتنمية حقيقية وجادة ودائمة تركز على الزراعة والصناعة والتعدين والتكنولوجيا، الأمر الذي أدى عملياً إلى تحويل الاقتصاد المصري إلى رهينة في يد أي دولة أو حتى مجموعة إرهابية.

وبالطبع، ليس معنى التورط الإسرائيلي أن يكون المنفذون إسرائيليين، لأن مثل هذه النوعية من الجرائم لا يهم فيها من ضغط على الزناد أو الحزام الناسف، أو من صنع المتفجرات.. المهم من خطَّط ودبَّر وموَّل أو حتى عرف بالأمر ولم يمنع.

بالطبع أيضاً، وحتى لا تأخذنا نظرية المؤامرة بعيداً، فالمتهم الأول سياسة الحكومة المصرية، التي سدَّت كل الآفاق أمام أي تطوُّر ديمقراطي حقيقي، يسمح بتداول حقيقي للسلطة، يقضي على الفساد المستشري، سياسة جعلت الأمن يحصر مهمته في مطاردة شباب يحب وطنه وقضاة يحاربون التزوير، واعتقالات عشوائية تجعل البريء يكفر أحياناً حتى بوطنه وتحوّله في لحظة إلى مشروع إرهابي صغير.

خلاصة القول إنه حتى لو كانت إسرائيل بريئة تماماً من مثل هذه التفجيرات، فعلى الذين تم التغرير بهم أن يدركوا أنهم نفذوا كل ما تريده إسرائيل، وعلى الحكومة المصرية أن تدرك أن نتائج بعض سياستها الكارثية بدأت تؤتي أكلها.

emadiraqi@yahoo.com