هناك أمر مريب ومحيّر في الإعلام العربي، وتتكثف الحيرة أكثر عندما يحضر الإنسان مؤتمراً أو منتدى إعلامياً بأهمية وضخامة منتدى دبي للإعلام، خاصة حين ينصب الحديث وموضوع الجلسات على حالة الإعلام وحرية الإعلام، ومصداقية الإعلام ودرجة ثقة العربي بإعلامه وصحفه وإعلامييه، و... إلخ.
والحيرة تكمن في أن الذين يناقشون ويتحاورون على المنصات هم في الحقيقة صنّاع الإعلام العربي، هم رؤساء التحرير ومديرو التحرير، والكتاب الكبار وأصحاب الحظوة والمكانة لدى صانع القرار السياسي، ومع ذلك فهؤلاء هم الذين يتحدثون عن عدم ثقة القراء العرب بالصحف العربية.
وهم الذين يجزمون بانعدام المصداقية والإبداع والأصالة في النتاج الإعلامي، وهم دون غيرهم من يقول مرتاحاً على كرسيه وبهدوء أعصاب إن ثقافة الصحافيين العرب سيئة وإن الإعلام أسير التجاذبات والصراعات السياسية!
إذا كان رئيس تحرير لا يستطيع أن يرفع سقف حريته في جريدته، وإذا كان الكاتب الكبير مقيّد القلم واللسان، وإذا كان مدير تحرير لا حول ولا قوة له، وإذا كان 5% فقط من القراء العرب، كما قال محمد جاسم الصقر، يثقون في الصحف العربية، إذاً لماذا نستمر في هكذا إعلام؟
ولماذا نصرّ على أن لدينا إعلاما حرا ومتوازنا ومعبِّرا عن إرادة الجماهير؟ أليس هذا ما تقوله كل وسائل إعلامنا العربية عندما لا تكون هناك منتديات ومؤتمرات؟
من الذي يكذب على الآخر بالضبط؟ الصحف والإعلاميون على القراء؟ أم إدارات الإعلام على إعلامييها؟ هل يريد الإعلامي الحرية حقاً؟ أم انه يخشى المعلومة كما قال عبدالرحمن الراشد؟
هل نريد أن نمارس إعلاماً حراً ملتزماً وموضوعياً؟ أم اننا أسرى لهذه الحالة الإعلامية الهلامية المبهمة التي تقع في منطقة الظل بين الحرية والمصادرة؟ بين الإعلامي الحكومي واللاحكومي؟ بين إعلام التنوير والحقيقة وإعلام المجاملات والدعاية؟
هناك لَبس في القضية كلها، وحين لا يستطيع مسؤول كبير في الجريدة أو التلفزيون أو المجلة أن يرسم بدرجة أو بأخرى سقف حريته ويخاف منها في الوقت نفسه.
ولا يريدها في حقيقة الأمر، فإن ذلك لا يرجع لصاحب القرار السياسي، بقدر ما يرجع إلى حزمة المصالح التي تبدأ بالكرسي الذي يجلس عليه المسؤول وتنتهي بباب المؤسسة التي لا يريد أن يخرج منها ثمناً للحرية!
متى يكون لدينا إعلام حر؟ سؤال يسبقه سؤال أهم: هل يمكن أن يكون لدينا إعلام حر؟ يسبقه سؤال أكثر أهمية: كيف يمكن أن يكون لدينا إعلام حر؟