كان يوم الثاني والعشرين من أبريل الجاري، بداية انفراج أزمة الفراغ السياسي في العراق التي دامت فترة تزيد على الأربعة شهور. فقد شهد ذلك اليوم، ولادة القيادات الجديدة، بعد جهود شاقة بُذلت للتغلب على الخلافات الحادة بين قيادات الكتل السياسية في مجلس النواب الجديد.
حيث تصاعدت في الآونة الأخيرة الضغوطات الداخلية من مختلف الفصائل السياسية، ومن الرأي العام العراقي، و الضغوطات الخارجية من مسؤولين كبار في الإدارتين الأميركية والبريطانية، من أجل التوصل إلى حل يفضي إلى ولادة الحكومة الجديدة.
وقد تنفس معظم العراقيين الصعداء لهذا التطور، مع أن ذلك لا يعني، بأي شكل من الأشكال، نهاية المشاكل والأزمات الكثيرة، التي تزخر بها الساحة العراقية. فعلى الرغم من كثرة التصريحات التي أدلى بها قادة الكتل السياسية، عن أهمية تشكيل حكومة الوحدة الوطنية.
وعلى رفض الاصطفاف وراء العرق أو المذهب، اتفق قادة ثلاث كتل سياسية على طبخة تقاسموا فيها المناصب القيادية، مكرسين بذلك تقليداً بائساً في الساحة السياسية العراقية، وهو المحاصصة العرقية والطائفية.
فالاستعاضة عن المعيار الوطني، بمعيار المحاصصة، في إسناد المناصب الرئيسية في الدولة، هي في الحقيقة، اختيار لطريق غير سوي، لا يبشر بمستقبل واعد للعراق.
دفع العراقيون، حتى الآن، ثمناً باهظاً جداً من أجل بناء عراق جديد، ولكن ما يبعث على الألم، أن تكون نتائج ذلك تراجع الهوية الوطنية لصالح هويات التجزئة.
فدساتير العراق، منذ تأسيس دولته الحديثة، في مطلع عشرينيات القرن المنصرم، وبضمنها الدستور الدائم الذي أنجزته الجمعية الوطنية المنحلة، لا تحتوي في ثناياها على مفردات من النوع الذي يُكرس الآن. فمما يثير التخوف حقاً، هو أن تصبح هذه المحاصصة قاعدة يؤخذ بها في تسيير شؤون البلد، فالأعراف والتقاليد، في حالات كثيرة، يصبح لها فعلٌ يفوق في قوته فعل القانون.
ولقد عبر ممثلو الكتل التي استبعدت، فور انتهاء الجلسة، عن مشاعر الإحباط في المؤتمرات الصحافية التي عقدوها، وحذروا من خطورة نهج المحاصصة العرقية والطائفية الذي تم بموجبه اختيار الهيئات القيادية، وحذروا كذلك، من احتمال تغلغل هذه المعايير إلى بنية مؤسسات الدولة، ما يفقدها الوحدة، ويجزيء الولاء للعراق إلى ولاءات أخرى.
إذ كشفت أحداث التاريخ عن مدى القوة التدميرية التي تكمن في الاصطفاف وراء العرق أو الطائفة، فكارثة الحرب الأهلية في لبنان ليست بعيدة عن الأذهان، كما أن الحروب العرقية والدينية، التي مزقت الاتحاد اليوغسلافي، هي الأخرى ليست بعيدة عنا.
كان الملفت للنظر في الجلسة التي عقدها المجلس النيابي، موقف الرفض لدى الكثيرين من النواب، والذي تجلى في العدد الكبير من الأوراق البيضاء، التي فاق عددها ثلث عدد أعضائه عند التصويت على انتخاب رئيسه. فقد بلغ عدد هذه الأوراق 97 ورقة، فبالإضافة إلى امتناع كتلة الدكتور إياد علاوي، وكتلة الدكتور صالح المطلق.
والبالغ عدد نوابهما معاً 36 نائباً عن منح أصواتهم لمرشح رئاسة المجلس النيابي، من منطلق الرفض لمبدأ المحاصصة، يبدو أن هنالك عدداً لا يستهان به، من نواب كتلة الائتلاف العراقي الموحد، حجبوا ثقتهم عن هذا المرشح، مما يعني، رفض الانصياع لرغبات قيادتهم التي قامت بعقد هذه الصفقة.
ولم تترك الكلمة، المعدة سلفاً، من قبل رئيس المجلس النيابي المنتخب، أثراً إيجابياً لدى الأعضاء، فقد كانت حافلة بالثغرات، أسهم عدد من النواب في الإشارة إلى بعضها، وأسهم آخرون في الاعتراض على بعض ما ورد فيها من العبارات.
كما لم يكن، في العبارات المقتضبة، التي أدلى بها رئيس الوزراء المُكلف، ما يشفي الغليل، غير أنها أشارت إلى ضرورة محاصرة ووأد وحش الطائفية المخيف، الذي أوشك أن يفتك بالعراق، كما أكدت على الالتزام بالخطاب الوطني، كشرط أساسي للنجاح، في السنوات الأربع المقبلة.
سيكون من المهام الرئيسية للحكومة الجديدة بمؤسساتها الأربع: المجلس الرئاسي، المجلس النيابي، مجلس الوزراء وهيئة القضاء الأعلى، إعادة بناء الوحدة الوطنية، و بناء مؤسسات الجيش والأمن وفق المعايير الوطنية.
وتوفير الدعم الكبير لقطاع الخدمات، و إزالة الخلافات حول بعض مواد الدستور الدائم، الذي أنجزته الجمعية الوطنية المنحلة، خاصة ما يتعلق منها بالفيدراليات وتوزيع الثروات الطبيعية، هوية العراق، وصلاحيات الحكومة المركزية.
كما سيكون من مهامها التصدي لقضايا أخرى، في غاية التعقيد، على رأسها قضية كركوك التي يصر التحالف الكردستاني على أن هويتها كردستانية، كمقدمة لضمها إلى إقليم كردستان، في حين لا ترى ذلك كتل أخرى، قوية جداً، في المجلس النيابي الجديد.
كما تواجه الوزارة الجديدة قضية أخرى، في غاية الأهمية، وهي مصداقية البناء الديمقراطي التي تتعارض مع وجود المليشيات التي ساهم وجودها، طيلة الفترة الماضية، في دفع الصراع الطائفي إلى درجات متقدمة من العنف وفي إضعاف هيبة الدولة وتراجع قوة القانون.
و من المتوقع أن يتعرض رئيس الوزراء الجديد لضغوطات شديدة من أجل إشراك ممثلين عن الكتل الأخرى، التي استبعدت من المراكز الرئيسية، في الوزارة الجديدة، وذلك لإضفاء سمات الوحدة الوطنية عليها.
إلا أن ذلك، قد لا يكون في صالح العملية السياسية، فتحول هؤلاء إلى قوة معارضة فاعلة لمبدأ المحاصصة العرقية والطائفية في المجلس النيابي سيكون أكثر جدوى لمستقبل العراق من الانخراط في عملية المحاصصة نفسها.
كاتب عراقي
