«نيو مكسيكو» عاصمة المكسيك.. مدينة مزدحمة بالسكان تعاني من تدفق هجرات النازحين إليها من مناطق الجبال وقرى الأرياف.. وتعاني أيضا من نمط فريد من التهميش بوصفها أقرب عاصمة لبلد متاخم لدولة عظمى هي الولايات المتحدة.

وبقدر ما يقصدها بعض المصطافين الأميركيين لقضاء الوقت وشيء من التغيير، بقدر ما أنها مشغولة هذه الأيام بهموم شتى يأتي في صدارتها قضية أبناء المكسيك المهاجرين إلى الشمال في مزارع أميركا وفي حواري مدنها ومسالك أريافها.. نيو مكسيكو تحاول متابعة قانون الهجرة الجديد المطروح على كونغرس الولايات المتحدة.

وربما تخشى الجارة الجنوبية الناطقة بالاسبانية أن يسفر اعتماد القانون المطروح عن (اكسودس) معاكس بمعنى ترحيل آلاف المكسيكيين من المهاجرين غير الشرعيين وبصورة جماعية إلى حيث جاؤوا من بلدهم المكسيك عبر خط الحدود المترامي الأطراف مع أميركا ويبلغ طوله نحو 800 ميل.

رغم هذا التهميش الذي ألمحنا إليه فكثيرا ما يجود الزمان على عاصمة المكسيك بهالات من الضوء وبصورة تجذب إليها اهتمام العالم. في المكسيك مثلا عقد أهم مؤتمر دولي للسكان في عام 1975..

وهو المحفل العالمي الذي وضع أجندة الاهتمام الدولية بقضية السكان على صعيد العالم كله.. ومن ثم فهو الأب الشرعي ـ كما قد تسميه ـ للمؤتمر المشهود الذي يعد بمثابة المرجعية في هذا المضمار وهو مؤتمر القاهرة الدولي للسكان والتنمية المعقود عام 1992.

من المكسيك أيضا خرجت وثيقة ـ مرجعية بدورها ـ تحمل اسم «توافق آراء مونتيري» وجاءت محصلة المناقشات الدولية التي دارت في صيف عام 2004 بشأن قضايا التنمية ما بين احتياجات الجنوب النامي وما بين مسؤوليات الشمال المتقدم وهي المناقشات التي شهدها مؤتمر مونتيري في المكسيك الذي حمل عنوان «تمويل التنمية».

في أواخر مارس الماضي عادت الأضواء من جديد لتسلط أشعة الاهتمام على عاصمة المكسيك: صحيح أنها كانت أضواء خافتة نسبيا.. باعتبار أن ثمة بقاعا أخرى من عالمنا المهيض المضطرب ما برحت موضع متابعة دوائر شتى من المهتمين بالشأن الدولي.

. في مقدمتها بؤر ملتهبة (العراق.. السودان مثلا) أو محاور متوترة (إيران .. أميركا وأوروبا مثلا) أو بؤر ومحاور على شفا التوتر وربما الاندلاع أو الانفجار في أكثر من موقع وعلى تعدد الأقطار والقارات.

مع هذا كله فقد حظيت العاصمة المكسيكية بالتحديد يوم 22 مارس الماضي باهتمام عالمي بفضل استضافتها تجمعا حاشدا تحت العنوان التالي: «المنتدى العالمي الرابع للمياه» وقد عقد المنتدى يوم 22 مارس بالذات لأنه المناسبة التي أعلنتها الأمم المتحدة يوما عالميا للمياه يتم الاحتفال به على مستوى العالم..

لا بإقامة الزينات أو رفع الشعارات بقدر ما أن الهدف هو نشر الدعوة وإذكاء الوعي الجماهيري بالذات بأهمية المياه بوصفها المورد الأساسي ـ شريان الحياة لكل ما.

ومن خلق الله سبحانه من كائنات. وفي هذا السياق قد يكون مفيدا استرعاء أنظار جميع المهتمين بالشأن العام إلى الإصدار الدولي الذي يتكرر نشره كل عام عن منظمات الأمم المتحدة ويحمل عنوان «تقرير تنمية المياه العالمي».

وبين يدينا العدد الثاني من هذا التقرير الذي يفيد بأن هناك 1, 1 مليار إنسان ما زالوا حتى الآن لا يجدون شربة ماء نقية صالحة للاستخدام الآدمي(!) إضافة إلى 6 ,2 مليار إنسان أيضا يفتقرون إلى أبسط المرافق الصحية وشبكات الصرف الصحي.

البعض يقرأ مثل هذه الإحصاءات، وهي تنطبق في معظمها على بقاع الجنوب من الكرة الأرضية.. يبادر البعض عن حسن نية طبعا إلى المطالبة بمزيد من المعونات ومزيد من الاعتمادات المالية..

ويبادر البعض الآخر على سبيل التبرير أو التسويغ إلى ترداد مصطلح «الحصول على التكنولوجيا» بوصفه طوق الإنقاذ أو صخرة النجاة أمام هؤلاء المحرومين المهمشين.

لكن اليونسكو ـ ونحن معها ـ لها رأي آخر ـ يعبر عنه السيد كوشيرو ماتسورا المدير العام لليونسكو في رسالته إلى جلسة افتتاح المؤتمر حين يقول:

إن التكنولوجيا وحدها لن تكفل لنا حلولا عملية ومتواصلة سواء إزاء مشكلات الحرمان من المياه النقية أو المرافق الصحية أو إزاء مكافحة ما يترتب على مثل هذه الأوضاع من أمراض تحملها المياه الفاسدة.

. فضلا عن الكوارث المرتبطة حكما بالمياه مثل الفيضانات أو حالات الجفاف التي يهلك بسببها عدد من البشر يفوق ضحايا أي كارثة طبيعية أخرى.

على سبيل التوضيح يستطرد مدير اليونسكو موضحا أنه - رغم الأهمية الحيوية للعلم والتكنولوجيا في فهم واستخدام الدورات المائية.. إلا أن ثمة أهمية حيوية أيضا للعوامل الاجتماعية والثقافية التي تشكل مواقف البشر.

وأنماط تعاملهم مع المياه (كمورد إكسيري للحياة) من هنا جاء الموضوع المحوري الذي ناقشه مؤتمر مارس الماضي في عاصمة المكسيك يحمل العنوان التالي:

«المياه .. والثقافة» وفي هذا السياق طرحت مناقشة العلاقة بين القيم والمفاهيم وبين الأفعال والسلوك. والمعنى هو أن على الشعوب أن تغرس في أبنائها وبناتها منذ سنوات التنشئة والتطبيع الاجتماعي القيمة التي تفيد بإيجاز شديد بأن قطرة المياه هي أثمن أو من أثمن ما جادت به السماء على الأرض.

وحين تتم ترجمة هذه القيمة إلى فعل، وحين يتم تحويل المفهوم أو الفكرة من مستوى الاعتناق إلى صعيد التنفيذ والسلوك في أرض الواقع.. في هذه الحالة تكتمل دورة الثقافة وتحتل قضية المياه بؤرة الشعور ومحور الاهتمام سواء عند صانع القرار أو مهندس التنفيذ أو المواطن المستهلك العادي.

ومرة أخرى فالمسألة قيم وسلوكيات ومواقف قبل أن تكون أموالا واعتمادات ومخصصات. ومدى نجاح العالم - كما ذكر الرئيس الفرنسي شيراك في رسالته إلى المؤتمر الدولي ـ لن يقاس بملايين (اليورو) التي يتم صرفها .

ولكن بملايين الأرواح البشرية التي أمكن إنقاذها من غائلة العوز المائي الذي يحيل الحياة جحيما لا يطاق. وبديهي أن هذا «العوز المائي» لا يقتصر أثره السلبي ـ الطارئ أحيانا ـ على مجرد مياه الشرب أو حتى الري الزراعي أو الاستخدامات الحضرية..

لقد حرص الوزراء المجتمعون في نيو مكسيكو في أواخر الشهر الماضي على ربط هذا العوز المائي بسائر الأهداف الإنمائية للألفية التي اعتمدتها أسرة المنظومة الدولية بوصفها جدول أعمال القرن الحادي والعشرين. وفي ضوء خطة تنفيذ هذه الأجندة المعتمدة في جوهانسبرغ..

أعاد مندوبو الدول في مؤتمر المياه التأكيد على أهمية خفض كتلة المحرومين من مياه الشرب النقية بنسبة 50 في المئة .. وقد حدد لبلوغ هذا الهدف الذي يبدو عمليا وقابلا للتنفيذ عام 2015 بالذات.

ورغم أنه لم يبق من الزمن ـ كما ترى ـ سوى 9 سنوات وهي برهة لا تشكل بحبوحة زمنية دائما قد تصلح عاملا ضاغطا على راسمي السياسات الوطنية والدولية ـ إلا أن الأمر لايزال بحاجة إلى مزيد من الدعوة الإعلامية الجادة التي تنشر الوعي دون أن تثير الذعر - دعوة تقول للطاقة ان علينا بذل جهود متكاتفة وجماعية لكي نتعامل مع مواردنا المائية بمنطق الحفظ دون الإهدار.

ومنطق الحشد العلمي والتكنولوجي والمالي التماسا لموارد جديدة أو لأساليب مبتكرة تكفل سبيل التوازن بين تنامي الاحتياجات وبين احتمالات مواجهة أزمة حقيقية وخطيرة في مستقبل الأيام.

mamdoh77t@hotmail.com